الجديد الفلسطيني الحقيقة وأكثر

كانت السبب لاتفاق لا سابق له بين حماس وإسرائيل.. الحرب تقتل الحيوانات في سوريا والعراق، لكن هؤلاء يخاطرون بحياتهم لإنقاذها

الجمعة 11 يناير 2019 الساعة 02:57 بتوقيت القدس المحتلة

كانت السبب لاتفاق لا سابق له بين حماس وإسرائيل.. الحرب تقتل الحيوانات في سوريا والعراق، لكن هؤلاء يخاطرون بحياتهم لإنقاذها كانت السبب لاتفاق لا سابق له بين حماس وإسرائيل.. الحرب تقتل الحيوانات في سوريا والعراق، لكن هؤلاء يخاطرون بحياتهم لإنقاذها

نُقل لوز من حلب عندما كان في الثامنة من عمره، كان ذلك في يوليو/تموز عام 2017، بعد سبعة أشهر من سقوط ثاني أكبر المدن السورية أخيراً في يد قوات نظام بشار الأسد.

وفي حين أنه لم يلبث أن وجد منزلاً جديداً على تلة زاخرة بأشجار الزيتون في شمال الأردن، لم يستطع لوز أن ينسى سوريا. إذ كان في الأيام الأولى من وجوده في الأردن يركض للاختباء في كل مرة يسمع فيها أصوات شاحنات أو مروحيات، ولا يزال جسده يحمل آثار الانفجارات وطلقات الأسلحة التي مزقت المدينة التي ولد فيها.

واليوم، لا يزال لوز قلقاً، لكنه أصبح أقل شعوراً بالخوف. وحتى خروجه من حلب على قيد الحياة كان بفضل منظمة غير ربحية تسمى Four Paws International.  

ولوز دب أسود آسيوي، ومن ضمن جيرانه الجدد في محمية الحياة البرية «المأوى» في محافظة جرش الأردنية عدد من الحيوانات الأخرى التي أُنقذت من حديقة حيوان ماجيك وورلد، في ضواحي حلب السورية.

وتعمل منظمة Four Paws على إنقاذ الحيوانات التي تتعرض للإساءة في جميع أنحاء العالم -من مناطق الحرب في الأغلب- وبعضها من حدائق الحيوان، وكذلك الحيوانات الأليفة الغريبة التي تتلقى معاملة سيئة من مالكيها. ولدى المنظمة مكاتب في 15 دولة، و7 محميات للحيوانات البرية التي تمكنت من إنقاذها.

يقول مصطفى خريسات، مدير محمية المأوى لموقع Middle East Eye: «فُتحت المحمية لتوفر ملاذاً للحيوانات القادمة من مناطق الحرب، وللحيوانات المُصادرة من المهربين أيضاً».

الحرب تقتل الحيوانات في سوريا والعراق

تعمل رغد زيتون، وهي طبيبة بيطرية مقيمة في المحمية الأردنية، على رعاية الحيوانات التي تسكنها، وهي 18 أسداً وأربعة دببة ونمران.

وتقول إنه كان لا بد أن تتعافى الحيوانات من الصدمة النفسية الناجمة عن الحروب التي عاشتها.

وتقول الطبيبة البيطرية إنه في الوقت الذي أُنقذ فيه لوز و12 حيواناً آخر من حديقة حيوانات ماجيك وورلد، سيطرت قوات المعارضة على المنطقة التي كانت فيها.

وقال مالك حديقة الحيوانات لمنظمة Four Paws، إنه كان هناك حوالي 300 حيوان في الحديقة قبل اندلاع الحرب. لكن معظمها ماتت في القصف وتبادل إطلاق النار، أو من الجوع. وأنقذت المنظمة الحيوانات الناجية.

تقول رغد زيتون: «عندما جاءت هنا لأول مرة، كانت في حالة سيئة للغاية، كانت مليئة بالجروح ونحيفة للغاية. وفقدت الدببة نصف وزنها. وكانت تبدو عليها أمارات الرعب، لكنها تتحسن الآن».

محمية المأوى الأردنية تحتضن مئات الحيوانات التي تم إنقاذها من سوريا

وتعد محمية المأوى أكبر محمية للحيوانات الكبيرة في الشرق الأوسط، إذ تبلغ مساحتها أكثر من 262 فداناً، وتوفر لها أماكن مغلقة مناسبة لها.

تأسست المحمية عام 2015، بالشراكة بين مؤسسة الأميرة علياء ومنظمة Four Paws International لإيواء الحيوانات التي لا يمكن إعادتها إلى بلادها الأصلية أو إطلاقها في البرية. إن موقع الأردن الاستراتيجي بين إفريقيا والخليج يجعله مفترق طرق للاتجار غير المشروع في الأحياء البرية.

ومِن المهربين مَن يبيعونها لأثرياء الخليج

إذ هناك طلب كبير على الحيوانات الغريبة في دول الخليج الغنية، وغالباً ما تُهرَّب عبر الأردن، على الرغم من التشريعات التي سنَّتها المملكة ومعاهدة التجارة العالمية لأصناف الحيوان والنبات البري المهدد بالانقراض (CITES) التي وقعتها.

وقد فتح المركز أبوابه أمام الزوار في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي. وتقتصر الجولات على جولة واحدة في اليوم، مع سعة قصوى تصل إلى 20 زائراً، حتى لا تنزعج الحيوانات التي سبق لها أن واجهت بالفعل أسوأ ما يمكن أن تقدمه البشرية.

ويقول خريسات: «إن هدفنا هو زيادة الوعي حول حماية ورفاهية الحيوان، وتوفير التعليم والتدريب على الحفاظ على الطبيعة».

ويخطط المركز لافتتاح دور إقامة صديقة للبيئة، ومطعم للأكل النباتي في فصل الربيع.

وكان هناك بعض المعارضين لإقامة المحمية عندما بدأت في العمل. إذ كان سكان القرى المجاورة يخشون في البداية إمكانية هروب تلك الحيوانات، بما فيها الأسود والنمور.

يقول خريسات: «والآن بعد أن أدرك سكان القرى أنهم آمنون، فإننا نتلقى الكثير من الدعم. وهناك الكثير من الناس الراغبين في التطوع معنا». وفي بعض الأحيان، يحضر سكان القرى حيواناتهم الخاصة ليفحصها أطباء المحمية.

حتى الصراع الإسرائيلي لم يرحم تلك الكائنات

كانت تلك هي المرة الأولى التي تمسّ فيها أقدام بعض الحيوانات الرمال عند وصولها إلى محمية المأوى، إذ لم يغادر سلطان وصابرين، وهما أسدان أُنقذا من حديقة حيوان في غزة عام 2014، قفصهما الخرساني قبل وصولهما إلى الأردن.

كان ذلك في صيف عام 2014 عندما أُنقذ الاثنان، حينما تعرض القطاع الفلسطيني المحاصَر للقصف الإسرائيلي العنيف. ولقي آلاف الأشخاص حتفَهم وتعرَّضت حديقة حيوان البيسان في غزة لأضرار بالغة.

ووفقاً لمنظمة Four Paws، مات أكثر من 80 حيواناً، وتُركت الحيوانات الثلاثون الباقية دون طعام أو ماء.

كانت الأسود تتعرض لضغط شديد، وتضررت أماكن إيوائها، لذلك تدخلت Four Paws ونقلت الحيوانات إلى مركز الأمل الجديد في الأردن، ثم إلى محمية المأوى.

 وتناثرت العشرات من جثث الحيوانات في الحديقة. يقول خريسات: «لقد لمست الأشجار لأول مرة عندما وصلت إلى هنا. ولدت معظم الحيوانات في الأسر، ولن تكون قادرة على البقاء على قيد الحياة بمفردها».

هل يجب أن نولي الحيوانات مثل هذه الأهمية؟

يقول خريسات: «يتساءل الناس أحياناً لماذا ننقذ الحيوانات بدلاً من الناس، لكن من الذي سيقاتل دفاعاً عن حقوقها؟ يجب أن يتحدث شخص ما نيابة عن تلك الحيوانات. عندما تكون لديك تلك الحيوانات في الأسر، يصبح لزاماً عليك أن تعتني بها كما لو كانت أحد أبنائك لأنها مسؤوليتك».

وعمل أمير خليل وهو مصري الجنسية، ومدير قسم مواجهة الطوارئ في منظمة Four Paws، مع المنظمة لمدة 24 عاماً، مخاطراً بحياته لإنقاذ الحيوانات من مناطق الكوارث ومناطق الحروب.

وفي العام الماضي، ذهب إلى الموصل في مارس/آذار، واتجه إلى حلب في صيف العام نفسه، لإنقاذ الحيوانات التي تُركت وحدها في مواجهة الموت في حدائق الحيوان المهجورة. عندما يسمع فريق مواجهة الطوارئ في منظمة Four Paws عن الحيوانات العالقة في مناطق الكوارث أو مناطق الحروب، يبذل قصارى جهده لإنقاذها.

رحلة إنقاذ محفوفة بالخطر في سوريا

وفي حالة سوريا، اتُّخذ القرار بالذهاب إلى هناك، بعد أن تلقت المنظمة رسائل من سوريين أخبروها عن وضع الحيوانات في حديقة حيوانات ماجيك وورلد وطلبوا منها التدخل.

عملت المنظمة في إطار من التعاون الوثيق مع عدد من خبراء الأمن وحصلت على دعم السلطات التركية. ونُفذت المهام بعد التفاوض مع مختلف الأطراف على الأرض. وبالنسبة للمهمة التي نُفذت في سوريا، اتصل خليل بمالك حديقة الحيوان، وقال له إنه إذا لم يتبرع بالحيوانات لمنظمة Four Paws فإنها ستموت، لذلك وافق المالك.

وفي حلب، كان على خليل عبور الأراضي التي تسيطر عليها قوات المعارضة المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتوقف عند عشرات الحواجز والتفاوض مع مختلف الأطراف المشاركة في القتال. وجاءت جارة لوز، لولا، من الموصل في شمالي العراق.

في الموصل تمركز داعش في حديقة الحيوانات ومات معظمها

هُجرت حديقة الحيوان في الموصل خلال المعركة التي خاضتها المدينة، حيث قاتلت قوات الحكومة العراقية والميليشيات الكردية المتحالفة معها لتحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

بدأت المعركة في أكتوبر/تشرين الأول عام 2016. كانت حديقة الحيوانات قاعدة لشن الهجمات لمقاتلي داعش لعدة أشهر. وماتت معظم الحيوانات في تبادل لإطلاق النار أو من الجوع. عندما تحرر النصف الشرقي من الموصل، في يناير/كانون الثاني عام 2017، لم يكن هناك سوى اثنين من الحيوانات الناجية: دب وأسد. وأرسل سكان الموصل رسائل إلى Four Paws لطلب المساعدة لإنقاذها.

وذهب خليل في فبراير/شباط، إلى الموصل لفحص حالة الحيوانات ولتوفير الدواء والطعام. وبدأ التخطيط لمهمة الإنقاذ، وعاد في مارس/آذار لمحاولة إخراج الحيوانات. أُوقف خليل عند نقطة تفتيش تابعة للجيش العراقي، حيث طلب منه تقديم المزيد من الوثائق وأمر بإعادة الحيوانات إلى حديقة الحيوان. بعد التفاوض مع الجيش العراقي، عادت Four Paws إلى العراق في أبريل/نيسان، مع وثائق إضافية، وتمكنت في نهاية المطاف من نقل الحيوانات إلى عمّان.

كان داعش قريباً جداً لكنهم نجحوا في إنقاذ الدب والأسد

ويقول خليل: «كل المهام كانت صعبة، لكن الموصل كانت واحدة من أكبر التحديات التي واجهناها. كان التعامل مع الجيش شديد التعقيد، وكان داعش قريباً جداً». كانت حديقة الحيوان تقع في إحدى المناطق التي كانت قد تحررت بالفعل بحلول شهر مارس/آذار، لكنها كانت قريبة من الخط الفاصل بين الشرق المحرّر والنصف الآخر من المدينة، الذي كان لا يزال تحت سيطرة داعش في ذلك الوقت.

ويذكر خليل أنَّه عندما كان في العراق، كان الجنود العراقيون يسخرون في البداية من مهمة إنقاذ الحيوانات، لكنهم جاؤوا له بعد ذلك وهم يحملون الطعام، سائلين عما إذا بإمكانهم إطعام الحيوانات. وقال خليل لموقع Middle East Eye، إن جندياً صادر دجاجتين في نقطة تفتيش لإطعام الأسود. وقال: «غيروا موقفهم وأدركوا أن الحيوانات لم تكن جزءاً من تلك الحرب. إن المعاناة لا تطال البشر وحسب، بل الحيوانات أيضاً. الجميع يعاني عندما تندلع حرب». وفي طريق خروجه من الموصل، احتجز خليل لعدة أيام حتى حصل على تصريح مغادرة المنطقة مع الحيوانات.

القتال توقف من أجل الحيوانات

وكان من بين اللاجئين الذين مرّ بهم في طريقه أطفال فقدوا منازلهم. ويقول: «كان لديهم الكثير من الذكريات السيئة، لكن عندما جاؤوا إلى شاحنتنا ورأوا أسداً ودباً بدأوا في الابتسام وكانوا سعداء للغاية. بالنسبة لي كان هذا مهماً للغاية، رؤية أن الحيوانات يمكن أن تشعر الناس بالسعادة».

ولاحظ خليل وجود فكرة مشتركة، وهي أن الأطراف المتحاربة تنحّي الخلافات جانباً، عندما يتعلق الأمر بنقل الحيوانات.

وقال إن الحرب توقفت في العراق لبضعة أيام، لأن الجيش والحكومة كانا منشغلين بما يجب فعله بالحيوانات. قد تستغرق المهام التي تنطوي على مخاطر كبيرة عدة أشهر من التخطيط والدبلوماسية، لكن الجنود من الأطراف المتحاربة ألقوا أسلحتهم للمساعدة في إنقاذ الحيوانات.

مفاوضات مع الأتراك وترتيبات خاصة في حلب

وبالنسبة لمهمة الإنقاذ في حلب، قدّمت منظمات غير حكومية أخرى مثل Cee4life نصائح لفريق Four Paws. وساعد السكان المحليون على الأرض في التفاوض لتوفير ممر آمن، ودعم مختلف الفصائل في سوريا.

وغالباً ما كانت المفاوضات تشمل العديد من الأشخاص والمنظمات المختلفة.  في سوريا، على سبيل المثال، ساعد أحد نشطاء حقوق الحيوان الأتراك فريق Four Paws في الحصول على دعم السلطات التركية، التي وافقت على فتح الحدود للحيوانات.

وفي غزة.. اتفقت حماس مع إسرائيل لإنقاذ شبلين من مخيم للاجئين!

ويذكر خليل كيف أنه كان عالقاً في أحد الفنادق في غزة في عام 2015، عندما طُلب من Four Paws إنقاذ شبلين من مخيم للاجئين. كانت الحدود مغلقة، لأنه كان يوم السبت المقدس عند اليهود. وفي النهاية سمح اتفاق بين حماس وإسرائيل بنقل الحيوانات بأمان إلى الأردن.

وقال خليل: «الطرفان لا يتفقان أبداً على أي شيء، لكن عندما أتيت لأخذ الحيوانات نحّوا أسلحتهم، لأن الحيوانات لا تنتمي لحماس ولا تنتمي لإسرائيل».

وأضاف: «ليس لديها جوازات سفر، لم تفعل أي شيء ولم تكن أبداً جزءاً من أي حرب، الكائن الحي الوحيد الذي يشن حروباً هو الإنسان وليس الحيوانات».

ويوضح خليل أننا ينبغي ألا نغضّ الطرف عن معاناة الحيوان؛ لأن الحيوانات المحبوسة في أقفاص تعتمد في كثير من الأحيان على البشر لتحريرها. ويقول إن تعاطفنا معها يجعل منا بشراً أفضل. ويقول: «نحن نتشارك هذا الكوكب، وعلينا أن نتعلم كيف نعيش معاً، البشر وحدهم غير قادرين على التعايش مع بعضهم البعض».