أسرار سراديب الحياة النسائية الخاصة في السجون الإسرائيلية
أسرار سراديب الحياة النسائية الخاصة في السجون الإسرائيلية

أسرار سراديب الحياة النسائية الخاصة في السجون الإسرائيلية

غُرفٌ صََغيرةٌ مُعتمة، ومُفرغة من كافة سبل الحياة الكريمة، اقتحامات مستمرة، إهانات وألفاظ بذيئة، تَحرش وابتزاز واغتصاب صريح، قهر وظُلم واستبداد، هذا جانب من الحياة داخل السجون الإسرائيلية، والصادم.. أنه قد يكون الجانب الجيد، مقارنة بما تعرفنا عليه خلال حديثنا مع بعض الأسيرات الفلسطينيات، عن حياة النساء الخاصة داخل السجون الإسرائيلية في انتهاك صريح وصارخ لكافة حقوق الإنسان الطبيعية.

على مدار سنوات الصراع الطويلة مع إسرائيل، تعرضت أكثر من 15,000 فلسطينية (بين راشدة وقاصر) للاعتقال، وقد شهدت فترة الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة)، أكبر عمليات اعتقال بحق النساء الفلسطينيات، حيث وصلت إلى 3000 فلسطينية؛ أما خلال الانتفاضة الثانية، فقد وصل عدد حالات الاعتقال إلى 900 فلسطينية. 

ومنذ عام 2009 وحتى مطلع عام 2012، تراجعت حدة الاعتقالات في صفوف الفلسطينيات، لتعود بشكل متصاعد مع انطلاقة الهبة الجماهيرية الفلسطينية نهاية عام 2015، وصولًا إلى المقاومة الشعبية عند إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمسجد الأقصى المبارك في تموز/ يوليو 2017؛  ليصل عدد الأسيرات اللواتي تعرضن للاعتقال منذ بداية الهبة الجماهيرية، وحتى الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2017 إلى نحو 370 حالة اعتقال، وما زالت 62 منهن رهن الاعتقال في سجون الاحتلال حتى العاشر من تموز/ يوليو 2018، وفق احصائيات مركز المعلومات الوطني الفلسطيني. 

من المعروف، أن النساء يعشن حياة معقدة نوعاً ما، إذا ما تمت مقارنتهن بالرجال، فبعد الخروج من مرحلة الطفولة تبداً الفتاة بالدخول إلى عالم النساء الخاص، بداية بـ"الدورة الشهرية" وما يرافقها من تغيرات جسدية ونفسية لا يستطيع أحد مساعدتها على تقبلها كـ"والدتها"، صعوداً إلى الاهتمام بالنظافة الشخصية، والتي تتضمن أدوات خاصة كـ "شامبو للشعر والصابون وفرشاة ومعجون لنظافة الأسنان" بالإضافة لسبل "إزالة الشعر" والحاجة الماسة للفوط الصحية" بشكل شهري، هذا عدا عن نضوج الفتاة الكامل، والذي يوصلها لمرحلة الزواج، وما يترتب عليه الدخول في مراحل الحمل، وصولاً للمخاض والولادة، وما بعدها من تفاصيل الاهتمام بنفسها وبطفلها. 

تلك التعقيدات النسائية، والتفاصيل الخاصة، تُشكل أزمة للنساء في منازلهن، فما بالكم بفتاة أو بسيدة فلسطينية، أسيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الذي يضرب بعرض الحائط كل الأعراف والقوانين الإنسانية والدولية والدينية.. لذلك قررت "دنيا الوطن" أن تصحبكم في جولة داخل تلك السراديب المُعتمة مع بعض الحكايات المُريعة التي ترويها بعض الأسيرات المحررات.

نزع الحجاب 

تحدثت المحامية المقدسية والأسيرة المحررة شيرين العيساوي، والتي اعتقلت لـخمس سنوات، بتهمة تقديم خدمات للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، عن إجبار الأسيرات على خلع الحجاب، في نوع من أنواع الترهيب والضغط النفسي، مؤكدة أن الكثير منهن يرضخن لذلك الضغط، ويصلن الزنزانة ورؤوسهن مكشوفة، مضيفة إذا تمسكت الفتاة بحجابها، ورفضت خلعه، فإنهم سيرضخون لها لأنه حق من حقوقها المكفولة بموجب القانون.

وأضافت: "حاولوا كثيراً أن يخلعوا حجابي، ووصل الأمر بهم للضرب، إلا أنني كنت أتمسك به ولم يقدروا عليّ ولا مرة، حتى في العزل، كنت أمكث في ملابس الصلاة 24 ساعة، وما كنت أشلحها نهائياً". 

الدورة الشهرية

كشفت المحامية العيساوي، أن الاحتلال الإسرائيلي، يقوم بوضع أسيرات "هبة القدس" القاصرات في عزل الرملة أو عسقلان، ثم يدفعهن للنزول إلى المحاكم، وقد ظهرت على ملابسهم بقع الدم الخاصة بـ "الدورة الشهرية" بشكل واضح أمام القاضي ورجال الأمن، وهو أمر مرهق، ومدمر نفسياً، لمراهقة في بداية عمرها. 

وأضافت "هناك الكثير من الفتيات داخل القسم، تأتيهم الدورة الشهرية لأول مرة، فنقوم نحن الأسيرات الأكبر سناً باحتوائهن، ونشرح لهن تلك التغيرات الجسدية والنفسية التي تحدث للفتاة، ونخبرها بأنه أمر طبيعي، ونشرح لهن كيفية الاهتمام بنظافتهن الشخصية، خلال تلك الفترة، ونقدم لها شيئاً ساخناً لو كانت موجوعة، ولو كان دورها في الجلي أو تنظيف الأرض نعفيها منه". 

الأسيرة "م. ك"، والتي فضلت عدم الكشف عن هويتها، نظراً لحساسية الموضوع، والتي حُكمت لـ 20 عاماً، ولكنها خرجت بعد سنوات في إحدى صفقات التبادل، كانت تجربتها شخصية ومُريعة فتقول: "جاءتني الدورة الشهرية، خلال فترة توقيفي، والتحقيق معي، ورفضوا إعطائي الفوط الصحية والملابس الداخلية". 

وأكملت: "خلال فترة الدورة الشهرية، بقيت في نفس الملابس التي اعتقلت بها، فكنت أقوم بخلع ملابسي وغسلها، وأقوم بارتدائها مرة أخرى، وهي مبلولة لتجف على جسدي، وأكرر هذا الموضوع كل ساعة لمدة أسبوع كامل، وكان ذلك في شهر تشرين الأول/ أكتوبر والجو ممطر في الخارج، وكنت أترنحُ من التعب، ولكن لا خيار أمامي". 

وأوضحت، أنهم كانوا يُجبرون النساء على شراء الفوط الصحية، التي تحتاجها السيدة خلال فترة الدورة الشهرية من "كانتين" داخل السجن بأموالهم الخاصة، وبأسعار مرتفعة جداً، مقارنة بسعرها خارج السجن، وهو أمر مرهق مادياً على الكثير من الأسيرات، عدا عن وجود سيدات لا يملكن الأموال لشرائها.

قواعد بانكوك

يذكر أن القانون الدولي التابع للأمم المتحدة المعروف بـ ( قواعد بانكوك)، ينص على أنه ينبغي أن يتاح للنساء السجينات الحصول الفوري والمجاني على الفوط الصحية النسائية دون أن يشعرن بالحرج بسبب اضطرارهن إلى طلبها، وبصفة عامة يجب أن تُوفَّر للسجينات خدمات رعاية صحية تعادل على الأقل الخدمات المتوفرة في المجتمع المحلي.

النزيف والفوط الصحية 

خلال حديث "دنيا الوطن" مع إحدى الأسيرات، تعرفنا على قصة رفيقتها الأسيرة (أ. ج)، والتي كانت تعاني من سرطان الرحم خلال فترة اعتقالها في سجن (الدامون) الذي يمنع إدخال ما تحتاجه الأسيرة في تلك الظروف الصعبة، وأقلها "الفوط" الصحية. 

فتقول الراوية: "أنا أتذكر جيداً كل الأحداث التي مرت بها (أ. ج) ، كانت تعاني من نزيف مستمر، وأصبح شراء الفوط الصحية بشكل يومي على حسابها الشخصي أمراً مرهقاً جداً، ويحتاج لمبلغ كبير، طلبنا من إدارة السجن توفير الفوط لها، وهي حاربت لفترة طويلة من أجل هذا الأمر، ورفضوا، وبدأنا بالتواصل من الأسيرات اللواتي، ينتقلن من سجن لسجن من أجل ارسال الفوط الصحية لها، كنوع من التكافل فيما بيننا". 

وأكملت: "صعب جداً أن تقفي أمامها عاجزة عن مساعدتها.. عانت كثيراً بسبب مرضها، بالنهاية شالوا لها الرحم في عملية، وكانت تحتاج لأختها أو والدتها، لأنه أمر خاص وحساس، ولكن نحن الأسيرات، كنا نساعدها في كافة تفاصيل حياتها من نظافتها الشخصية والاستحمام إلى علاجها والراحة والطعام وحتى ليالي الالم الخالية من النوم". 

الاستحمام والنظافة الشخصية 

فيما تحدثت المحامية "العيساوي" عن أن بعض السجون يوجد بداخلها مكان خاص بالاستحمام داخل الزنزانة، ولكنه بدون باب، فقط يوضع "ستارة" شفافة (إذا فاتت صبية تتحمم كنا نمنع أي حدا يفوت، أو يروح ليغسل يديه لنحافظ على خصوصية بعضنا، وهو أمر متفق عليه داخلياً فيما بيننا، أما في سجن الدامون فالحمام خارجي، ولكنه مُغلق ولا يوجد بداخله أي كاميرات مراقبة أما على الباب فيوجد، ليتم مراقبة من دخلت للاستحمام ومن خرجت). 

عن أدوات النظافة كالشامبو والمعجون والصابون، فأوضحت أن السجن لا يوفرها للسجينات، بل يقمن بشرائها من المقصف على حسابهن الخاص، وبأسعار مرتفعة جداً تصل إلى ثلاثة أضعاف سعرها بالخارج. 

أما الأسيرة "م. ك" فقالت بهذا الملف عن تجربتها الشخصية، "في أول فترة وهي مدة التحقيقات قبل إعطائي لائحة اتهام ولمدة شهر، لم أحصل على شيء من أدوات النظافة، وقد أضربت عن الطعام لمدة 9 أيام، فقط من أجل الحصول على "محارم" ورقية وغطاء.

وفي وصفها لدورة المياه، قالت: "الحمام" أرضي "بدون باب ولكنه في زاوية بعيدة عن الباب، خالٍ من المحارم الورقية وأي أدوات للنظافة، ولا يوجد معي أي أسيرة فلسطينية لأطلب منها ما ينقصني". 

وصرحت، أن أغلب أدوات النظافة الشخصية في مقصف السجن تخص الرجال قائلة: "قد تجدي في السجن شفرات وماكينات للحلاقة، أما ماكينة إزالة الشعر النسائية فغير متوفرة، فكنا نصنع "العقيدة" في السجن من السكر والليمون" فيما أوضحت أنها كانت تتلقى الملابس من الأسيرات الأخريات لسنوات طويلة بما في ذلك الملابس الداخلية، فالسجان كان يمنع دخول الملابس التي ترسلها والدتها لها، وهو أمر أثر على نفسيتها بشكل كبير على حد تعبيرها. 

وأكدت أن المتابعة الصحية سيئة للغاية؛ فإدارة السجون لا توفر اي رعاية صحية للأسيرات، ولو بالحد الأدنى، مع أن أغلبهن يعانين من أمراض مختلفة، كالدسك والغضروف، وإذا شعرت أي أسيرة بأي ألم يُقدموا لها "مسكن" دون إجراء أي فحص أو تحليل؛ فكان (الأكامول) الوصفة العلاجية لكل الأمراض حتى المزمنة والخطيرة منها. 

الولادة بالـقيود  

الأسيرة فاطمة الزق، من قطاع غزة، كانت أم لثمانية أولاد، وجدة لطفل صغير، في ذلك الوقت، حين اعتقلت على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، أثناء توجهها لتنفيذ عملية استشهادية في حافلة جنود إسرائيليين في 20/ أيار/ مايو 2007، ولم تكن تعلم أنها حامل، وقد أُفرج عنها، وتحررت في 2/10/2009م في صفقة شليط. 

لـ "فاطمة " قصة تستحق أن تُحكى.. وأن تُكتب للتاريخ، لتبقى وصمة عار في جبين احتلال لا يعرف لحقوق الإنسان طريقاً، فهي بنظره لا تتعدى كونها شعارات واهية، يتغنى بها أمام الغرب.. فتقول إنها لم تكن على علم بحملها حين اعتقالها، وبعد ساعات تحت أيدي المحققين والكثير من الكلمات البذيئة والشتائم النابية، خضعت لفحص الحمل، لتتأكد من ذلك بنفسها. 

وتقول "الزق" لـ "دنيا الوطن": حاولوا دفعي لإسقاط الجنين عن طريق الضرب والشبح على مدار أسبوع كامل، بالجلوس على كرسي حديد منحنيه الظهر، ثم تبديل الوضعية، وربطي للخلف بجنازير حديدة ثقيلة، وتم تعريضي إلى الصدمات الكهربائية، قدموا لي حبوباً مُدببة غير معروفه، خلال مكوثي في غرفة التحقيق، بواسطة شخص من المفترض أنه طبيب، ولكني كنت أرفض ذلك، وكانت عزيمتي قوية، وكنت في عناية الله". 

وأكملت: وضعوني في زنزانة الموت، وتعرضت لنزيف حاد في محاولة منهم لقتلي وقتل جنيني، وعندما عرفوا بنزيفي، شعروا بالفرح، وأصبحوا يضحكون بشكل هستيري، فرفضت الذهاب معهم إلى المستشفى؛ لمعرفتي بمحاولتهم إجهاضي، ودخلت في إضراب عن الطعام، رغم حملي من أجل نقلي إلى سجن آخر". 

يذكر أن القانون الدولي  يقر أنه لا تطبق عقوبة العزل الانفرادي على الحوامل والأمهات المرضعات والنساء اللواتي يرافقهن أطفال صغار في السجن، العقوبات التأديبية التي تفرض على السجينات لا تشمل منعهن من الاتصال بأسرهن.

بعد الكثير من الضغوطات تم نقل الأسيرة "فاطمة" إلى سجن (هاشرون) ليتوقف التعذيب عنها، ولكن محاولة الإجهاض لم تتوقف أبداً، ففي الشهر السابع، أجبرتها المجندات على الذهاب إلى عيادة السجن دون طلب منها، ليخبرها الطبيب أنه سيقوم بعمل فحص لـ "مية الرأس" من عنق الرحم، باستخدام الإبرة ونسبة نجاح هذا الأمر 1 %، ويخبرها أن الطفل، سيخرج معاقاً، نظراً لكبر عمرها.. فرفضت ذلك بشدة، وردت: "معاق مش معاق أنا بدي إياه.. كيف ما ربي أعطاني إياه أنا عيزاه.. أنا حاسة إنه راح يكون شوكة في حلقكم، رجعوني على زنزانتي".

ووصفت الطعام السيئ والقليل، فتحدثت عن التكافل الاجتماعي  بين الأسيرات، وكشفت أن الأسيرات كانوا يعطونها " البيضة" اليومية الخاصة بهن، و"الحلاوة" التي توزع من فترة لفترة لأنها حامل، في نوع من أنواع الإيثار.

وقالت: عندما أذهب للفحص في الرعاية الطبية، كانت الطبيبة تقول لهم هذه إرهابية ومجرمة، ويتم فحصي وأنا مقيدة إلى أن ينزف الدم من أقدامي، ويقوم المتواجدون هناك بشتمي والبصق عليّ أثناء الفحص، وبعد حرب طويلة، ورسائل من خلال الصليب الأحمر، استطعت انتزاع الإذن للتجول في ممرات السجن؛ لتسهيل عملية الولادة. 

المخاض.. عندما بدأت أشعر بأعراض الولادة، أخذوني بعدما تم تكبيلي بالقيود من اليدين والقدمين بالحديد، رغم شعوري بألم الطلق، تم جري وأنا أسمع صوت الحديد على الأرض، والوجع يُمزق أحشائي لخارج السجن، وعند وصولي إلى الإسعاف دفعوني للصعود لوحدي وأنا مُقيدة. 

واسترسلت: وصلت المستشفى فجردوني من ملابسي وربطوا يدي وقدمي بالسرير، وكنت أتوسل لهم، وأناجي الله لفكي، فكنت أريد وضع يدي على صدري بسبب الألم.. وما زاد الهم أن الغرفة لا يوجد بها باب بل ستارة، وعلى باب الغرفة يوجد جنود، كنت أقول لهم أنا مسلمة، أنا محجبة، أنا متدينة مش لازم حدا يشوفني، إلى أن تراجعت آلم المخاض، وطلبت أن يتم إرجاعي إلى السجن. 

عندما جاءني المخاض مرة أخرى، وبسبب ما مررت به في المرة الأولى، رفضت الخروج إلى المستشفى، وأخبرتهم أنني أريد الولادة في زنزانتي، جاءني المدير، وقال لي: مين حاكلك إن إحنا مش بني آدمين؟ قلت له أثبتلي، فوافق على فك القيد عني أثناء الولادة، ولكنه رفض بشدة، أن يتم احضار أمي أو زوجي أو حتى المحامية أو أسيرة معي أثناء الولادة. 

وأكملت: كان معي داخل الغرفة طاقم سجانات، بعد وضعي على سرير الولادة، جاءت الطبيبة لتمارس على أبشع الانتهاكات الصارخة ضد الإنسانية، فكانت تشتمني بألفاظ بذيئة، وتصرخ، وأنا كنت أُسبّح وأناجي ربي خلال أربع ساعات من النزيف، في النهاية قالت لي: خلصي يا إرهابية ستلدي إرهابي ريحينا منك ومن هذا الإرهابي، فقلت لها ليس بيدي بيد الله.. فتعدت على اسم الجلالة.. وبدأت بالدعاء عليها، ولو قتلتني لكنت سعيدة أني أموت في سبيل الله. 

وقالت في عزيمة لا تُقهر"كنت أشعر بأن هنالك جنوداً من عند الله بجانبي لا أراها، ولكنها تحميني منهم، بعد الولادة، أخذوا طفلي ورفضوا إعطائي أي غطاء، بل تم رفع برودة الغرفة من خلال المكيف، وعند إحضار طفلي للرضاعة، لم يتعدَ الأمر عدة دقائق، ويتم سحبه دون أن يشبع، إلى أن خرجنا أنا وطفلي إلى النور والحرية". 

إغتصاب وحقوق ضائعة 

عادة ما تصمت أغلب ضحايا التحرش الجنسي أو الاغتصاب من النساء عن البوح بما تعرضن له، خوفاً من مجتمع رجعي وبعض العادات والتقاليد، التي ستصمها بالعار، أو ستلومها بالرغم من كونها ضحية، تعرضت لاعتداء.

هذا ما قد يحدث للنساء حول العالم، والأسيرات الفلسطينيات لسن استثناء، وقد كُشف ذلك عندما خرجت إحداهن عبر شاشة (الجزيرة) وتحدثت عما تعرضت له على يد أفراد من شرطة الاحتلال قبل عدة سنوات من اقتياد إلى مركز للشرطة بعد منعها من دخول القدس ثم اغتصابها.

حيث قام جنود الاحتلال باقتياد الأسيرة بشكل غير قانوني إلى أحد مقراتهم في القدس، وبدأ أحد عناصر الشرطة التحرش بها لساعات، فما إن تخلصت من الأول حتى جاء إليها شرطي آخر، وبعد عراك ومحاولات نجح في اغتصابها وتقول: "كان أقوى مني، عمل اللي بده اياه، اغتصبني، ضليت أضربه وأصرخ ما في حد سمعني".

تجرأت أسيرتنا بمساعدة أحد أقاربها على تقديم شكوى، لكن أغلق الملف لأكثر من مرة، بحجة أن الجاني غير معروف.

المؤسسات الحقوقية

حاولت "دنيا الوطن" التواصل مع الصليب الأحمر، وبعض المؤسسات الحقوقية المنوط بها حفظ حقوق الإنسان، وتوثيق الانتهاكات التي يتعرضون لها، لمعرفة دورها في حماية الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية، لكن لم يصلنا ردهم حتى تاريخ نشر تحقيقنا هذا.  

وفي خضم تلك الظروف والأوضاع المؤلمة، تعيش الأسيرات الفلسطينيات داخل سجون الاحتلال في أوضاع غير إنسانية ولسنوات طويلة، يتعرضن خلالها لأبشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، في ظروف لا تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات النسائية الخاصة؛ ليتفشى بينهن الكثير من الأمراض، وخاصة تلك التي تؤثر سلبًا على الأعضاء التناسلية للإناث، ما يعتبر انتهاكاً صارخاً لقوانين وتوصيات الأمم المتحدة، التي تُقر على مراعاة الفوارق بين الجنسين، وقواعد "احتجاز السجينات" التي تعرف بقواعد (بانكوك)، عام 2010، والغريب أن إسرائيل جزء منها.