7.png

ص 10:36 11 يونيو 2019

أمام القضاء.. 17 حالة تشوه في إحدى مراكز التجميل بغزة

خاص الجديد الفلسطيني

ريما السويسي

يشهد قطاع غزة مؤخراً تزايداً ملفتاً في مراكز التجميل ،والتي يصحب دخولها إلى سوق العمل إعلانات ممولة ،ضخمة، يتم إطلاقها سواءً على مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية التي تجد طريقها سريعاُ نحو آذان الفتيات والنساء اللواتي يقدهن هذا الشغف نحو المجهول حيث غياب الرقابة والتراخيص لهذه المراكز.

فما أن تسمع احدى الفتيات عن مزايا تجميلية تقدمها احدى هذه "المراكز" إن جاز تسميتها، حتى تتوجه هناك فتمسك بقائمة الخدمات التجميلية التي يقدمها المكان دون أن تعلم إذا كان هذا المكان مرخص أم لا ،وهل من سيقوم على الأمور التجميلية مختص أم لا؟ والنتيجة كارثية: عشرات حالات التشوه بين الفتيات والسيدات ضحايا هذه المراكز ،ويظهر هنا تساؤل مشروع حول غياب الجهات الرسمية والرقابية بالسماح لهذه المراكز أن تفتح أبوابها دون حصولها على ترخيص ؟

17 حالة تشوه في إحدى مراكز التجميل 

في حادثة ظلت تفاصيلها طي الكتمان حتى وقت قريب مؤخراً بعدما وصلت الأمور إلى القضاء للبت في بعض هذه الحالات التي تشوهت بعدما تم حقنها في إحدى مراكز التجميل في غزة بمادة تجميلية ذات الشوائب العالية والتي تعد مادة ممنوعة دولياً وهي "الكولاجين".

تواصلت مراسلة "الجديد الفلسطيني" مع عدد من هذه الحالات التي تروي ما حدث معها من تشوهات في الوجه بعد عملية الحقن بالكولاجين لتجميل الوجه كما كانت تعتقد هذه الحالات والتي عانت الأمرين نتيجة الأضرار التي لحقت بها سواءً على مستوى الخصوصية أو على مستوى الشكل الذي آل إليه الوجه بعد التشوه.

الحالة الأصعب

تتحدث الأربعينية (أم بديع) كما فضلت أن تعرف عن نفسها، والتي تتعالج حالياً جراء ما حدث لوجهها من تشوه، عن المصيبة التي حلت بها بعدما توجهت إلى إحدى مراكز التجميل: "ما حدث معي سيء بكل المقاييس، فمشكلتي تفاقمت ولا خيار أمامي سوى الجراحة في الخارج والطامة الأكبر أن نسبة نجاح هذه الجراحة 10% وتستوجب العملية وجود طبيب أعصاب بجانب الجراح".

أما في تفاصيل الحادثة تقول وقد ملأها اليأس نتيجة ما آلت إليه حالتها: "نتيجة عملي في المدرسة وكوني أسهر على عملي توجهت إلى مركز التجميل بعدما شعرت أن بشرتي أصبحت شاحبة بهالات سوداء أسفل العيون ،وهناك أخبرتني المسؤولة عن قسم البشرة أنني بحاجة إلى حقن بمادة آمنة وفقاً لما أخبرتني به،فوافقت وبدأت الجلسات التي قررت أن أخضع لأربع منها. في الجلسة الثالثة بدأت أتعب الأمر الذي أوصلني للمشفى وهناك لم يستطع أي من الأطباء أن يشخصوا سبب مرضي ولم أكن أعلم أن المادة المحقونة هي السبب".

وتضيف بحسرة: "يبدو أن هذه المادة التي حقنت بها قد وصلت إلى الدم لأنني وقتها لم أكن أشعر بنفسي ولا بجسدي ناهيك عن درجة حرارتي التي وصلت إلى أكثر من 40 درجة بالإضافة إلى الصداع الشديد وتعب في جميع أنحاء الجسد".

ولم تقف فصول المأساة هنا بل إن هذه المسؤولة طلبت من الحالة أن تستمر في الجلسات وأن ما يحدث معها طبيعياً وسيزول فور انتهاء الجلسات ،ولم تكن قد أجرت تلك المسؤولة عن البشرة أي نوع من اختبار حساسية جلد للحالة خاصةً وأن الأمر حقن داخلي.

"في الجلسة الأخيرة تورمت عيناي وتكتلت المادة حول الجفون ،فقد حقنتني ب 30 حقنة تحت الجلد حول العيون وهي منطقة أعصاب ،ولاحقاً وللتخفيف من هذه الأعراض أخضعوني لجلسة تقشير كيميائي وقد أخطأوا مرة أخرى"، وفقاً لحديثها.

وبعد تواصل الحالة مع أطباء خارج القطاع أكدوا لها بأن مادة الكولاجين التي تم حقنها هي مادة سامة دائمة وهي جسم غريب لا يتقبله الجسم كما أن وجود هذه المادة قد يتسبب في وجود ألياف تحت الجلد التي قد تتحول لمواد مسرطنة.

وهنا تضيف أم بديع : "خضعت لعلاجات كثيرة منها الكورتيزون وتعاطيت الكثير من المضادات الحيوية وحقن الديكورت وعدد هائل من الكريمات الأمر الذي فاقم المشكلة وأرهقني بشكل كبير، جراء ذلك حرمت من الخروج من البيت سواء للعمل أو للزيارات العائلية وأقضي وقتي داخل البيت فقط في ظل إجراءات سلامة معينة إذ يمنع أن أتواجد في المطبخ حيث الحرارة العالية بالإضافة إلى كمادات الماء البارد ليلاً ونهاراً".

كما وتؤكد الحالة بأنها تتعاطى حالياً حبوب منع حمل وذلك لخطورة الحمل في هذه المرحلة وهنا تقول: "لقد وصلت لمرحلة متقدمة من اليأس النفسي والصحي فلم يعد لدي أمل في هذه الحياة بعد أن تشوه وجهي بالكامل".

وتتساءل السيدة: "أين الرقابة فالمسؤولة تبين أنها ممرضة ،وليس معها شهادة مزاولة.. هل وجوه النساء لعبة؟"

تختم حديثها: "حالياً لا أنام وأراجع لدى أربعة أطباء كلى ومسالك بولية فالمضادات الحيوية أنهكت معدتي وكليتي وسببت لي بكتيريا دم وجرثومة كما أن حقني بالكورتيزون كعلاج قد رفع نسبة السكر لدي في جسمي وفي كل مكان في البيت يغمى عليا وأقع تحت غيبوبة مؤقتة".   

وكنوع من التعويض، تكفلت إدارة المركز بعلاج هذه الحالة وغيرها من الحالات التي تعرضت لنفس التشوه جراء نفس التجاوز فيما يتعلق بعملية حقن الكولاجين في منطقة الفم والعيون، بعلاجها وتعويضهم بالتكفل بمصاريف علاجهم على يد أطباء خارج المركز.

وللأسف لم تقف فصول الكارثة هنا بل أن هناك حالتين أخريين خضعتا للعلاج بالكورتيزون الأمر الذي فاقم المشكلة الأولى ولذلك فضلوا التوجه للقضاء.

غيبوبة لمدة 20 يوم

الثلاثينية فاتن سليم والتي كادت تدفع حياتها ثمن الأخطاء التي تحدث في مراكز التجميل، تحدثت والدتها لـ"الجديد الفلسطيني" عما حصل مع ابنتها فتقول: "ذهبت ابنتي إلى إحدى مراكز التجميل لتجري عملية تجميل للأنف خاصة وأنها كانت تعاني من اعوجاج في الأنف نتيجة عظمة بارزة وبعد أن خضعت لتخدير كامل استعداداً للعملية غابت عنا عشرين يوماً دخلت فيها في غيبوبة".

وتضيف: "أثناء العملية ارتطمت احدى الأدوات في عظمة الأنف كخطأ من أحد المساعدين للطبيب والنتيجة أنها دخلت في غيبوبة مكثت على إثرها 20 يوما في العناية المركزة وشاءت عناية الله أن تصحو منها".

يذكر أن الطبيب الذي أشرف على عملية تعديل الأنف لفاتن يُعد من أكبر أطباء التجميل في غزة والذي عمل جاهداً على إرضاء فاتن وعائلتها بأن تكفل بعلاج الحالة على نفقته الخاصة خشيةً على اسمه وسمعته وخوفاً أن تتوجه العائلة إلى القضاء وأن تتحول المشكلة إلى قضية رأي عام.

حروق جلدية نتيجة الليزر

تقول احدى خبيرات التجميل في غزة حول الحالات التي تصلها يومياً نتيجة الفوضى الممارسة داخل مراكز التجميل: "وصلتني ما يقارب عشرة حالات لحروق جلدية نتيجة للاستخدام غير المسؤول لأجهزة الليزر في إزالة الشعر".

وتضيف: "هذه الحالات تعاني من حروق في البشرة وذلك لأن أجهزة الليزر لها جرعات ومستويات للتعامل مع الجلد ،وأي خطأ في مستوى الجرعة يؤدي إلى حروق جلدية وهذه الحروق يتم علاجها بشكل مكثف عبر كريمات خاصة لكنها باهظة الثمن ويتحملها صاحب المركز".

وتتحدث هذه الخبيرة عن أن التعامل مع أجهزة الليزر ليس بالهين فأي طبيب يريد التعامل مع هذه الأجهزة يجب أن يكون متخصص وأن يكون على دراية كاملة بهذه الأجهزة الحساسة وإلا فالعواقب وخيمة.

جلطات بعد شفط الدهون 

تقول خديجة عثمان (25 عاماً) عن بوادر الجلطة التي تحمد الله على اكتشافها مبكراً عقب عملية شفط الدهون التي قامت بها لدى إحدى المراكز: "أجريت عملية شفط دهون في منطقة الفخذين وللأسف لم يسألني الطبيب عن تاريخي الطبي ولم يجر لي أي فحوص تذكر، وبعد العملية بأسبوعين حدث تورم في القدمين وكدمات حمراء في المنطقة وحين توجهت إلى المستشفى أخبروني بأنها علامات وبوادر جلطة".

"الخطأ يتحمله الطبيب فبعد العملية لم يوصيني بتناول الهيبارين الذي يمنع التجلط وهذا سبب حدوث بوادر الجلطة"، وفقاً لحديثها.

أسماء كبيرة لا تحتمل "الشوشرة"

تقول احدى الحالات التي توجهت لطبيب مشهور في مجال التجميل بغزة رفضت الإفصاح عنه: "كنت أعاني من حبوب في الوجه ولم أترك شيئاً إلا واستخدمته وفي آخر المطاف توجهت لطبيب جلدية في غزة فقام بوصف كبسولات تسمى "كيوريتان" Curatane   وعينك ما تشوف إلا النور!".

وتضيف: "دخلت في حالة إغماء لمدة ثلاثة أيام نتيجة أن هذه الكبسولات تشفط سوائل الجسم كلها كما أن الكبسولات تسببت لي بمشاكل في الكلى والمبايض".

وحين أفاقت هذه الحالة من وعكتها قررت اللجوء للقضاء ضد هذا الطبيب الذي عمل جاهداً لإرضائها وإرضاء عائلتها خوفاً على اسمه وسمعته التي هي رأس ماله فقط الأمر الذي أدى بالحالة إلى التنازل عن القضية وسحبها بعد حل القصة مع الطبيب ودياً.

أما الحالة التي قررت الخروج عن صمتها جراء ما حدث فما كان منها إلا أن كتبت شكواها في منشور عبر "الفيسبوك" مدعوماً بصور التشوه الحاصل أسفل العين فتقول: "ذهبت لمركز تجميل وقامت الطبيبة المسؤولة هناك بعمل علاج لكلف الوجه الذي كنت أعاني منه وللأسف تبين فيما بعد أن الطبيبة غير متخصصة وهي طلعت ممرضة".

"النتيجة تشوه لدينا وحتى الآن وعلى مدار خمسة أشهر من العلاج لدى أطباء آخرين، فإن الأمر سيان وبلا جدوى تذكر فلا تحسن والمعنويات في الحضيض"، وفقاً للمنشور.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل هذه المراكز مرخصة؟ وإذا كانت غير مرخصة فكيف يُسمح لها بالعمل وهل وجوه النساء أو الفتيات لعبة؟ ناهيك أن الأمر يتعلق بالصحة.

صاحب مركز التجميل يعترف

أما فيما يتعلق بهذه التشوهات والأخطاء التي يتم ارتكابها، يعلق صاحب إحدى المركز التي حدثت فيها هذه التجاوزات فيقول: "المركز تجميلي وليس طبي (محل كوافير موسع) وقد حدث ما حدث نتيجة تجاوزات قامت بها "الخبيرة" التي تعمل في المركز، وتتضمن هذه التجاوزات إخلالها بالاتفاق المبرم بيني -كصاحب المكان- وبينها كخبيرة تجميل للبشرة بأنه لن يكون هناك جلسات حقن للزبائن ولكن للأسف لم تلتزم بالاتفاق".

ويضيف: "حينما اكتشفنا بأنها ودون علم المركز تقوم بالحقن تم توقيفها عن العمل والاستغناء عنها كلياً وحينما بدأت تشتكي الحالات جراء حقن الوجه بمواد تجميلية مضرة تم التعامل مع جميع الحالات التي تم تعويضها بالتكفل بعلاجها خارج المركز على نفقتنا الخاصة وتم حل الإشكال القائم لكن هناك فقط حالتين ترفضان الحل وقد توجهتا للقضاء للبت في المشكلة القائمة بيننا".

هل المركز مرخص؟

يجيب الدكتور: "حتى الآن المركز ليس مرخصاً وقد كنا قيد إتمام إجراءات الترخيص ولكنها توقفت حالياً بسبب المشكلة القضائية المرفوعة كشكوى ضدنا لدى وزارة الصحة في غزة وكان قد تأخر إصدار الترخيص للمركز بسبب فقدان الطب الوقائي لأوراق معاملة الترخيص الخاصة بالمكان لسبب يتعلق بهم وهكذا فقد تأخر إصدار الترخيص".

يذكر أن المركز المذكور قد تم افتتاحه في 20 مايو 2017 وقد تم تقديم الأوراق اللازمة للترخيص بعد عشر أيام من الافتتاح وهنا الخلل.

إذاً فأين وزارة الصحة من هذه المراكز وكيف يسمح لهذه المراكز أن تعمل دون حصولها على ترخيص؟ وما مصير الحالات التي تشوهت؟ وهل من إجراء رادع لهؤلاء المتسببين بالفوضى لدى هذه المراكز سواء على صعيد الافراد أو الحكومة؟

وزارة الصحة بغزة توضح

تواصل "الجديد الفلسطيني" مع الدكتور طه الشنطي مدير وحدة الإجازة والتراخيص في وزارة الصحة بغزة، والذي علق على عن جزئية مسؤولية وزارة الصحة عما يحدث فيقول: "أي مؤسسة نجد أنها غير مرخصة لدينا نتوجه لها ونعطيها إنذارات للترخيص وبالنسبة للمؤسسة التي حصل فيها التشوه المذكور تم رفع شكوى ضدها للنائب العام نتيجة ما حدث فيها من تشوهات وبناء على عدة زيارات للمكان وجدنا أن المكان مخالف للقانون وتم تحويله إلى مركز تجميل".

ويضيف: "مراكز التجميل التي تشرف عليها وزارة الصحة تختلف عن محلات الكوافيرات والساونا والرياضة وهي ليست ضمن اختصاصنا كوزارة صحة بل إلى وزارات أخرى (وزارة الاقتصاد) أما القسم المختص كتجميل من جوانب طبية وإعطاء أي مركبات أو أدوية أو محاليل أو كجراحة فنحن مسؤولون عنه".  

"القسم الذي تم ضبط الخلل فيه تم إغلاقه تماماً بعدما اعترفوا بأن المكان عبارة عن كوافير موسع وليس مركز تجميل، راقبنا المكان بعد ذلك وتبين أنه فعلاً تم التوقف عن العمل هناك لكن فيما يتعلق بالمخالفات التي تم ارتكابها هناك رفعنا تقرير وتم تحويله للمستشار القانوني الذي قام بدوره بتحويله للنائب العام في غزة"، وفقاً لحديثه

ويؤكد الشنطي في معرض حديثه بأن "قانون الصحة العامة رقم 20 لعام 2004 ينص على أنه لا يسمح بفتح أي مؤسسة صحية إلا بعد الحصول على الترخيص ولكن هناك بعض المؤسسات تباشر عملها دون علمنا ودون ترخيص وبمجرد أن يتم اكتشافهم يقوموا بإجراءات الترخيص لدينا".

أما فيما يتعلق بالشهادة المطلوبة للترخيص يقول: "لا نسمح لأي مؤسسة صحية أن يكون فيها أي عمل صحي بدون أن يكون الموجود مزاول للمهنة أي صاحب تخصص حتى لو كان طبيب فلا يسمح له مزاولة التجميل إلا إذا كان حاصل على البورد معادلة من المجلس الطبي الفلسطيني وهذا ما قمنا بفعله جراء ظاهرة مراكز التجميل المنتشرة والتي تعلن عن نفسها أنها مراكز تجميل". 

وفي سؤال حول عدد أطباء التجميل المزاولين في غزة أكد الشنطي بأن "مزاولي مهنة التجميل الحاصلين على البورد هم أقلة ولا يتعدوا عدد أصابع اليد".