م 11:43 06 يوليو 2019

اللوثة العقلية ؛لسخافة والجريمة؛ هل من نهاية ؟

غزة -الجديد الفلسطيني- 

بقلم: أ.عبدالله أبو شرخ
----------------------
( إن الخوف هو المصدر الأول للخرافة، وهو أحد أهم مصادر السلوك الوحشي – بيرتراند راسل )
ملاحظة: تغير عنوان المقال وكذلك تمت تعديلات في الشروحات بهدف زيادة الأفكار وضوحاً !! 
----------------------------------
ليس هذا مقالا عاديا بل مساهمة تنويرية لا تخلو من الفلسفة وعلم نفس الجريمة في عصر الظلام والتوحش والبربرية الذي نعيشه !! قراءة مفيدة وممتعة.
----------------------------------
كم هي مؤلمة مذابح الجزائر التي قام بها إسلاميون في تسعينات القرن الماضي .. كم هي مؤلمة تفجيرات سيرلانكا وقطارات موسكو ومدريد ولندن .. كم هي الصورة بشعة لوجود سجون تحت المساجد في السودان وأقبية للتحقيق يندى لها الجبين .. كم هي جارحة ومؤلمة مشاهد موت الغرق للشبان بين تركيا واليونان هربا من قمع وموت في غزة .. فهل من نهاية لهذه الحقبة السوداء التي لا تقل همجية وظلاما عن تعذيب وقتل الناس على الظن والشبهة في عصور ما قبل النهضة في أوروبا القرون الوسطى ؟؟!
لا يمكن لأي إنسان سوي بالفطرة إلا وأن يستنكر ويستهجن القتل والتعذيب. ثمة جرائم للقتل مرجعها اللوثة العقلية للقاتل، ذلك أن الإنسان السليم والصحيح نفسياً لا يمكن أن يقتل، لكنني في هذا المقال سأتحدث عن أسباب قتل 200 ألف من القرويين الأبرياء في الجزائر أو الإعدامات السرية في سجون مساجد السودان أو مئات الأبرياء في هجوم سيرلانكا، مع لفت الانتباه إلى أن القاريء / ة قد شاهد بالفعل فيديو الانتحاريين الثمانية، حيث بينهم متعلمون في بريطانيا أو أبناء تجار ميسوري الحال وليسوا فقراء !
لكن المؤكد أن كل قاتل في التاريخ كان يعاني من لوثة عقلية قد يكون مرجعها طفولة قاسية ظالمة أو انتكاسات عاطفية أو معتقدات دينية معينة !
تابعوا معي لطفاً !
هل تجد عزيزي القاريء أي فوارق جوهرية بين الوحش قاتل الطفل أبو شقفة ومواطن قطري يشتري لوحة لسيارته بمبلغ مليون دولار لأنها أرقامها تطابق تاريخ ميلاد زوجته ؟ هل ثمة فوارق نوعية بين هؤلاء البشر ومواطن إماراتي يلبس أغنامه 15 كيلو ذهب فقط لكي تذكره وسائل الإعلام ؟؟؟ هل هناك فوارق بين هؤلاء السخفاء ومواطن سعودي اشترى صقراً ذهبيا بنصف مليون ريال لكي يصطاد أرنباً ثمنه 7 ريالات ؟؟! هذا ما يعنيه كاتب المقال باللوثة العقلية، وهي سلوك غبي أو سخيف أو إجرامي، تماماً مثل عقول وسيكولوجيا المنتحرين الثمانية في هجوم سيرلانكا الأخير .. المهم أنه سلوك يتعارض مع المنطق السليم والفطرة السوية !!!
وبالعودة إلى الأستاذ والفيلسوف الكبير راسل، فإن عبارته الموجزة التي اقتبسناها تكاد تروي قصة ظهور الأديان منذ فجر التاريخ، علماً بأن الأديان الإبراهيمية الثلاثة تعتبر حديثة قياسا بمعتقدات الفراعنة والبابليين والسومريين والكلدان والصابئة والزرادشتية والسيخ .. وإلخ. عبارة راسل تؤكد بأن شعور الإنسان بالخوف هو مصدر الخرافات بما تحتويه من قوى خارقة وعفاريت وغيبيات !
سأروي لكم جزءا موجزاً لأسباب ظهور الأديان القديمة، فقد جزع الإنسان القديم واستبد الخوف بمفاصلة رعباً عندما شاهد الكوارث والويلات التي تسببها قوى الطبيعة العاتية، من زلازل وفياضانات وأعاصير وبراكين وصواعق، ولما كان الإنسان القديم يعيش مرحلة طفولة الوعي البشري، وكان عاجزاً عن إيجاد تفاسير علمية ومنطقية مقبولة لظواهر الطبيعة، اخترع من خياله قوى خارقة غامضة قادرة على العصف والتدمير، ولما كان الخيال من مميزات العقل البشري، فقد تخيل آلهة بأشكال مختلفة ظهرت رسوماتها ومنحوتاتها على جدران الكهوف ثم لاحقا في المعابد التي بناها الإنسان لأغراض التواصل مع الآلهة. ولابد من الإشارة إلى أن الإنسان فطريا يشعر بالخوف وبالجوع وبالغضب، ولهذا فقد تخيل أن الآلهة عندما تدمر وتزلزل وتحرق الغابات بالصواعق، فإنها تكون غاضبة وأنه لا يمكن إرضاؤها إلا بإراقة المزيد من الدماء، فكانت عقيدة المايا في أمريكا الجنوبية، تنتقي بعض الشبان لذبحهم إرضاءا للآلهة، ثم انتقلت الديانات من الأضحيات البشرية إلى الأضحيات الحيوانية والمادية، ومع تطور الوعي البشري بعد ثورة كوبرونيكوس في القرن السادس عشر، تراجعت الأديان، بل وانقرضت عقائد بكاملها، مثل انتهاء عقيدة الرعد وآلهة الرعد والبرق بعد اكتشاف الكهرباء ومعرفة السبب العلمي لظواهر البرق والرعد. يذكر الكاتب الألماني غوته بأن الناس في ألمانيا في القرون الوسطى، وفي أيام الشتاء القاسي، كانوا يجتمعون في الكنائس لكي يواسوا بعضهم حماية من الصوت المخيف للرعد، لكننا نعلم جميعاً أنه إذا عرف السبب بطل العجب، فصوت الرعد الآن لا يخيف أطفال الصف الرابع الابتدائي كونهم يتلقون من أهاليهم كل الدعم النفسي اللازم لتهدئتهم وطمأنتهم !
أنا مسلم ومؤمن بالله .. لكن إسلامي يخصني ويخص تفكيري، بخلاف الإسلام الكهنوتي الهادف إلى إحكام السيطرة على عقول الناس وأدلجتهم للقيام بمسلكيات لا أخلاقية كالقتل في سبيل الله على طريقة الجزائر وسيرلانكا، أو ممارسة نوع بشع من الإباحية والزنا مثل جهاد النكاح في سوريا والذي لم يحظى حتى الآن بأي نقاش يكشف مدى قبح الدين الكنهوتي ! كل جريمة مباحة في نظرهم طالما وجدوا لها تبريراً مقدساً !!!
----------------------------------------
ثمة آية قرآنية تقول ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون ) ؟! هذا هو الإسلام الحقيقي، المعاكس لكل سلوك إجرامي. الإسلام عكس الإجرام، والله الذي أؤمن به هو ما يبث في نفسي ووجداني سعادة غامرة عند مشاهدة وردة أو زهرة أو مشاهد الأفق عن الغروب أو حتى سماع أغنية أو معزوفة جميلة .. الله هو الحب والسعادة والفرح، أما إله القتل والسبي والسلب والنهب والحرق فهو ما ينبغي تدميره وحماية الأطفال من اغتصاب عقولهم وانتهاك براءاتهم وإرهابهم بخرافة عذاب القبر وناكر ونكير والشجاع الأقرع وهي كلها من الأساطير التي تسللت لعقول الناس في صدر الإسلام تأثرا بالمعتقدات التوراتية .. ( القرضاوي سيء الذكر قال أن الرجم عادة يهودية ليس لها أصل في الإسلام ) !!
التوصيات:
1- أتوجه للدكتور مروان عورتاني وهو أحد عباقرة الكوكب في الرياضيات، بأطيب الأمنيات بمناسبة توليه حقيبة التعليم، مع طلبي بعودة إدراج الفلسفة والمنطق وعلم النفس في مناهج طلاب المدارس، وخاصة الإعدادي والثانوي، وذلك كسبيل وحيد للرد على التطرف والاستبداد ومبررات القتل، تماما كما درستنا جامعة بيرزيت " الدراسات الثقافية C.S ".
2- أقترح عدم تعليم مادة التربية الدينية لطلبة المدارس وتعويضها بمادة تشرح تاريخ الأديان، ذلك لأن الدين بمفاهيمه السلفية الأصولية يحطم المنطق فتحل كارثة اللوثة العقلية !!!
3- أقترح تصميم مادة أخرى عنوانها ( طريق إلى الأخلاق ) .. الأخلاق التي تؤدي إلى القتل والتفجير في سبيل الله ونكاح الجهاد يجب ترميمها وإصلاحها.
4- للموسيقى دور عظيم في تنمية النواحي الوجدانية والنفسية، فلماذا لا يعاد تقرير مادة الموسيقى على طلبة المدارس، والحديث يخص السيد وزير التعليم ؟؟!
5- أعلم تماما دور المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية في اختراق وتوجيه التنظيمات الإسلامية، لكنهم يستغلون فهمهم العميق للتراث الديني الإسلامي بعد حركة الاستشراق في القرنين السابع عشر والثامن عشر. أي أنهم يستغلون فهمنا نحن للدين كما كتبه أجدادنا وكما نكتبه في مناهج المدارس والمعاهد والجامعات !!!

دمتم بخير وأعتذر للإطالة