2.jpg

م 01:52 09 يوليو 2019

يوقع أحدث رواياته على "بسطة قهوة"..

هل تعلم وزارة الثقافة أن "السالمي" يعمل على الرصيف؟!

خاص الجديد الفلسطيني- ريما السويسي

تشاء الظروف أن تُدفن موهبته على الرصيف أمام كشك متواضع لبيع القهوة لا لشيء سوى أنه يعيش في غزة المدينة التي يحاصرها الألم بكل تقنياته، ولكن هذا المبدع الذي تسابقت الألقاب حيال وصفه لا يشبه سوى كتاباته التي تحلق بك بعيداً عن حدود الزمان والمكان كيف لا وأنت تحاور روائياً "تلتف أصابعه بالحرير".

ولكن هذه الأصابع لم تعد للكتابة والإبداع فقط، بل أضحت بين ليلة وضحاها صانعة أكواب من القهوة يطلبها زبائن يقودهم تعاطفهم مع الروائي هاني السالمي بعد أن انتهى به المطاف على الرصيف في كشك يبيع القهوة، ليمارس فيه عشقه للقهوة كيف لا وهي المعشوقة السمراء ونديمة العظماء والكتاب!

الروائي هاني السالمي (40 عاماً متزوج وله أربعة من البنات) والذي تعد قصته وحدها رواية مأساوية تلخص حال غزة وحال كتابها ومثقفيها في مشهد لا يقل دراماتيكية عن أقوى مشاهد الدراما السينمائية، حيث سوداوية الأحداث التي تدور حول البطل وبطل التقرير اليوم مبدع وصل إلى العالمية بإنسانية رواياته، ولكن هذا البطل تتكالب عليه ظروفه بل وتتآمر على موهبته.

يقول السالمي لمراسلة "الجديد الفلسطيني" وهو يقف على أحد أرصفة مدينة خانيونس أمام كشك لبيع القهوة: "أنا كاتب فلسطيني روائي وقاص متخصص في أدب الأطفال بدأت موهبتي في الكتابة منذ الثانوية فقد كنت أكتب وأنشر كتاباتي في مجلات أدبية كما وتقلدت منصب مدير تحرير أكثر من مجلة اهتماماً بالقراءة والكتابة حتى أتممت السنة الخامسة من دراستي الجامعية تخصص مياه في كلية العلوم بجامعة الأزهر في غزة".

ويضيف "أول كتاب صدر لي عام 2007 اسمه "الندبة" وهذه الرواية حصلت على لقب أفضل رواية عن جائزة لمؤسسة عبد المحسن القطان عن فئة الروائي الشاب، ومن هنا بدأ اسمي يُعرف وينتشر ومنذ تلك الفترة وأنا أبحث عن فرصة عمل مثلي مثل أبناء جيلي الخريجين وقد تنقلت بين عملي كعامل نظافة وشيال ودهان وتدحرجت الأمور حتى أتقنت فنون الكتابة الإبداعية، وأصبحت خبيراً فيها فأنتجت مجموعة قصصية للأطفال وتقلدت مناصب كمدير تحرير العديد من المجلات مثل  مجلة العوسج ومدينة الأحلام ومؤخراً مدير تحرير مجلة الرواق وما زال يقودني الشغف للحصول على عمل أفضل بين الأوراق والكتب حيث أنتمي".

موهبة مدفونة

صدرت للكاتب العديد من الأعمال والتي كانت تثير استغراب دور النشر التي كان يتعامل معها السالمي مجرد أن تعرف دار النشر أن هذا العبقري هو ابن غزة المحاصرة باليأس والانقسام والحصار الإسرائيلي.  

وتابع السالمي: "صدرت لي رواية بعنوان "حين اختفى وجههن" لليافعين ومن بعدها رواية "هذا الرصاص أحبه" وحصلت هذه الرواية ع لقب أفضل رواية شابة على مستوى فلسطين والتي تنافست على هذه الجائزة 4000 رواية، كل هذا ولا يزال الشغف نحو الحصول على فرصة عمل تليق بي لا تزال تقودني يومياً"، وفقاً لحديث السالمي.

وعن حياته الشخصية، فقد تزوج الشاب السالمي عام 2007 ليصبح بعدها أباً لأربع بنات ويصبح الوضع المادي هاجساً كونه لا يجد فرصة عمل مناسبة لموهبته وإبداعه الكتابي.

وأشار إلى أنه أصبح عضواً في الحملة الوطنية لتشجيع القراءة والكتابة في المجتمع الفلسطيني، موضحاً أنه كتب رواية "الجنة الثانية" تتحدث عن رسائل جلعاد شاليط الأسير المختطف في قطاع غزة والتي كان يرسلها لأمه ويقول فيها أن أشياءً جميلة كثيرة توجد في غزة وحصلت هذه الرواية على لقب أفضل خامس رواية على مستوى الوطن العربي وتمت طباعتها في الجزائر ولم أحصل سوى على نسخة أو نسختين منها".

وأردف "كما وصدرت لي بعدها رواية "ماسة" وتتحدث عن بنت سمراء تزرع أرضها المجاورة للجدار الفصل العنصري الذي يفصل الضفة الغربية عن إسرائيل وفيها تفاصيل جميلة وقد ُوزعت هذه الرواية لجمالها وعمقها على كل مدارس اللاجئين الفلسطينيين في العالم كما وطبعت قصة للأطفال اسمها "الظل يرقص معي" وقد فازت بجائزة شعار تشجيع حملة القراءة والكتابة".

هذا وقد أصبح السالمي عضواً في الاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين منذ العام 2007 وقد وصلت رواياته للعالمية والسبب أنها روايات سريعة تتناسب مع سرعة الزمن حالياً بالإضافة إلى اعتماد السالمي على التكثيف في الأحداث وخلق أحداث غير متوقعة وهنا يقول السالمي "يقولون إنني إميل حبيبي جديد في فلسطين".

أما فيما يتعلق بأحدث أعماله يقول "حالياً هناك رواية قيد الطبع لدى وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله واتحاد الكتاب الفلسطيني بعنوان "المسيح الأخير" وهي رواية تتحدث عن تناقص عدد مسيحيي قطاع غزة مؤخراً وأستخدم في كتابة هذه الرواية تقنيات جديدة في الكتابة".  

وأطلق على السالمي العديد من الألقاب منها "سيد الأفكار" "الروائي الشاب" "المتسرع في الادب" المنتج الكبير كونه لم يتجاوز الأربعين وفي جعبة إنجازاته الأدبية 12 رواية.

القهوة.. من رفيقة إلى سلعة للبيع

يكمل السالمي حديثه عن الأبواب التي طرقها من أجل الحصول على فرصة عمل تناسب مكانته الأدبية فيقول: "لم أترك باباً إلا وطرقته على أمل أن أحصل على عمل يوفر لي حياة كريمة تليق بمكانتي ولكن للأسف وفي لحظة ممزوجة باليأس والتصميم بل والتمرد على هذا الواقع قررت قبل عام من الآن اصطحاب أوراني المطبخ الخاصة ببيتي بالإضافة على مقعدين وغاز الطهي لأبدأ في بيع القهوة أمام كشك على الرصيف". 

ويضيف: "عشقي للقهوة التي رافقتني في سنوات كتابتي هي التي قادتني لفكرة بيعها كي أبقى قريباً منها ومن سحرها الذي تمارسه علي شخصيتي".

"في البداية خجلت لدرجة أنني بكيت جداً حيال وقوفي ككاتب مبدع أمام بسطة لبيع القهوة ولكن التضامن معي من قبل أصدقائي والزبائن رفع معنويتي خاصةً حين أجتمع مع زبائني وأصنع لهم القهوة ونقرأ قصصي وكتاباتي"، وفقاً لحديثه.  

ويقول بمرارة واضحة "أعمل من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثانية عشرة ليلاً لأحصل فقط على يومية مقدارها 7 شيقل".

رسالة محبة للرئيس

وفي رسالة محبة يرسلها السالمي للرئيس الفلسطيني محمود عباس يقول "عُرض علي الكثير من الفرص للعمل لكنني لا أؤمن سوى بالشرعية الفلسطينية الممثلة بالسلطة الوطنية الفلسطينية ولذلك لا أزال أنتظر الفرج عله يكون قريباً"، وفقاً لحديثه.

ويضيف: "أناشد الرئيس والدكتور عاطف أبو سيف بأن تحمي وزارة الثقافة كتابها ومثقفيها في غزة فأنا أتمنى أن أكون في مكان يليق بي أدبياً".

ويختم رسالته بالقول: "أتمنى أن تصل رسالتي للرئيس عباس والدكتور أبو سيف كونهم الراعي الأول للثقافة فأنا كاتب فلسطيني يريد فرصة عمل تليق به وبرواياته أتمنى ان أكون بين أروقة وزارة الثقافة او بين أروقة اتحاد الكتاب الفلسطيني أو حتى أمين مكتبة".

الاتحاد العام للكتاب يعلق

وعلق الكاتب ناصر عطالله عضو الاتحاد العام للكتاب الفلسطيني في غزة على الموضوع بالقول "الروائي هاني السالمي وجميع الكتاب والأدباء خاصةً الشباب منهم الذين لم يحالفهم الحظ في الحصول على وظيفة معينة لتأمين حياة كريمة لهم كان من المفترض أن يكون هناك صندوق لدعم الكتاب في غزة وهو ما تم الاتفاق عليه منذ تم انتخابنا العام الماضي ولكن هذا الصندوق تعرض لعقبات شديدة نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها السلطة الوطنية في رام الله".

ويضيف: "وبالتالي فإن الاتحاد العام للكتاب حاول أن يساعد هذه الشريحة من الكتاب إلا أن مقدراته المالية قد لا تكفي لسداد فاتورة الكهرباء التي يصرفها المقر في قطاع غزة وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع أنه لا موازنات حقيقية تأتي لقطاع غزة بالمطلق خاصةً مع تقليص رواتب الموظفين طبق النظام تقليص موازنة المنظمات الشعبية كاتحاد الكتاب ونقابة الصحفيين وغيرها من الاتحادات بنسبة 50% تماماً كما الرواتب لموظفي السلطة".  

"في غزة عادة كنا نتقاضى موازنة شهرية 1200 شيقل للاتحاد لكن حالياً لا نتقاضى في الاتحاد سوى 600 شيقل فقط وهي بالكاد تكفي لثمن الكهرباء والماء والخدمات الأساسية في الاتحاد ورغم ذلك حاولنا من خلال بعض الإمكانيات المتوفرة لدينا أن نطبع رواية للسالمي كموقف فعلي وداعم ومساند له ولرفع روحه المعنوية وهذه الرواية سترى النور نهاية الأسبوع الحالي بعنوان "المسيح الأخير" وسيتم الاحتفال بتوقيع هذه الرواية ع بسطة القهوة على الرصيف أمام الكشك الذي يعمل به حالياً في خانيونس"، وفقاً لحديثه.

ويؤكد "دفعنا ولا زلنا ندفع باتجاه أن يحصل السالمي ع وظيفة منذ العام 2016 وسعيت جاداً لأن يرافقني إلى رام الله وتم تقديم طلب توظيف له كامل له بهدف أن يتم توظيفه وتصويب وضعه لكن للأسف الشديد بعد العودة لغزة أصبحت المتابعة قليلة من قبل رام الله والحقيقة أنه لم نبحث حتى الآن موضوع السالمي مع الوزير الدكتور عاطف أبو سيف وهناك مؤشرات كثيرة على وصول الموضوع لوزارة الثقافة لكن لا علم لنا بالمستوى الرسمي الذي وصلت إليه القصة".

ويختم عطالله حديثه بالمطالبة بضرورة أن يتم تفعيل صندوق دعم الكاتب كما تم الاتفاق عليه في اتحاد الكتاب ليتم تنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع وزارة الثقافة والجهات المعنية لتصويب وتمكين وضع الكتاب في قطاع غزة إذ أن هناك كتاب كبار تجاوزوا سن التقاعد لكن وضعهم المادي لا يقل سوءاً عن وضع السالمي".

ويبقى التساؤل الأكثر أهمية مطروحاً "هل تعلم وزارة الثقافة أن السالمي يعمل على الرصيف"؟

يذكر أن السالمي قد وصل إلى رام الله في دعوة وجهت له من قبل وزير الثقافة السابق إيهاب بسيسو وقد تم تكريمه برفقة عشرات الكتاب والمثقفين من غزة الأمر الذي يحمل دلالات معنوية جميلة لكنها تبقى متواضعة لا تكفي.