1.jpg

ص 10:55 08 سبتمبر 2019

مرضى غزة يشتكون من الالتهابات بعد العمليات.. أخطاء فظيعة ترتكب والصحة تعلّق

خاص الجديد الفلسطيني- ريما السويسي

تعاني المنظومة الصحية في قطاع غزة من تدهور عام يبدأ بقلة الإمكانيات سواءً على مستوى الأطقم الطبية من حيث قلة الكوادر أو على مستوى عدم توفر كثير من المستلزمات الطبية، وذلك بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة الذي تزامن مع الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وما نتج عنهما من تبعات وخيمة يدفع ثمنها الحلقة الأضعف في هذه المنظومة ألا وهو المريض الذي لا يملك من أمره شيئاً سوى الشكوى.

شكاوى يومية من المرضى والمواطنين داخل المستشفيات سواء الحكومية أو القطاع الخاص مفادها الالتهابات الحاصلة بعد العمليات، خصوصاً عمليات الولادة القيصرية حيث الحوادث اليومية، الأمر الذي يثير الجدل حول حقيقة ما يحدث من التهابات ما بعد العمليات الجراحية، فالحالات خاصةً النساء بعد الولادة تشتكي بل وتتساءل عن سبب هذه الالتهابات فيما إن كانت لها علاقة بقلة التعقيم في المستشفيات أم أن للأمر حيثيات أخرىَ؟!

شكاوى المرضى

تقول أم علي (33 عاماً) "منذ ولادتي الأولى عام 2013 وحتى اليوم وأنا أعاني من التهابات ما بعد الولادة والسبب هو التهابات الغرز (القطب) المهبلية نتيجة أن الطبيب قام بتغريز الجرح بشكل خطأ وحتى الآن أعاني من هذه الالتهابات التي كلما ذهبت لطبيب يخبرني أن السبب هو الغرز الخطأ".

وتضيف أم علي في حديثها لـمراسلة "الجديد الفلسطيني": "حتى ما يسمى "المشيمة" فقد انتبهوا إلى عدم نزولها بعد ربع ساعة من الولادة فتخيلوا لو لم يتم إخراجها من جسمي!".

وتتابع "حالياً ونتيجة التهاب الغرز بشكل دوري فإني أعاني بين الفترة والأخرى من "دمل" (خراج) في المنطقة التي تحتوي على الغرز، وبالرغم من خضوعي لعلاج على يد أكثر من طبيب إلا أن هذه الالتهابات لا تزول كون القطب تم خياطتها بشكل خطأ". 

يذكر أن أم علي كانت تسعى للولادة في مستشفى خاص ولكن خطورة حالتها أدت إلى تحويلها لمستشفى الشفاء بغزة بعدما قضت 12 ساعة في المخاض قبل وصولها لمجمع الشفاء الطبي.   

ويقول زوجها "من يوم ما ولدت في مستشفى الشفاء بغزة ما شفت الخير، كل فترة أضطر لعرضها على أكبر وأمهر الأطباء في غزة ولكن بلا فائدة تذكر فلا شيء يستجيب معها للأسف ناهيك عن المصاريف التي أتكبدها نتيجة هذا العلاج".  

إهمال شامل

لا يقتصر الخلل على مستشفى الشفاء الحكومي بغزة فقط بل إن الإهمال في هذا النطاق يمتد أيضاً إلى مستشفيات القطاع الخاص وهنا تقول آية رمزي (28 عاماً) "خضعت لعملية ولادة قيصرية في أحد المستشفيات الخاصة الواقعة شمال قطاع غزة وبعد الولادة لم أر خيراً إذ بدأت أعاني بعد العملية مباشرةً من حصر بول شديد وألم شديد في البطن ولا أزال أعاني منه حتى الآن رغم أن الأمر يعود لخمس سنوات منذ العملية والتي بدأت هذه الأعراض بعد يومين من إجراء العملية في مستشفى الشفاء، حالياً أذهب إلى المرحاض من 25 إلى 30 مرة يومياً وكأن هناك التهاباً ما في المثانة".

وتضيف "خضعت لمئات الفحوصات والصور التلفزيونية والمناظير وللأسف لا أحد يعلم السبب وراء حدوث ما أعاني منه والآن أتابع لدى أطباء باطنة ومسالك بولية".  

ولم تكن رشيدة الرملي (27 عاماً) بأفضل حال من سابقاتها في هذا التقرير إذ عانت هي الأخرى من منظومة الإهمال في القطاع الصحي والتي كادت أن تدفع حياتها ثمن ما حدث، وتقول "خضعت لعملية ولادة قيصرية في أحد المستشفيات الخاصة في قطاع غزة وبعد أن عدت للبيت بعد العملية "شفت الويل" حيث بدأت أعاني من ألم شديد في بطني مصحوب بانتفاخ غير عادي".

وتكمل خلال حديثها لـ"الجديد الفلسطيني""استمر الألم مدة ثلاثين يوماً من الجحيم حيث الألم الشديد في منطقة البطن وفي كل مرة أذهب للمستشفى من أجل عملية فحص والتي كانت في كل مرة عبارة عن تقييم لعملية وصور وتحاليل طبية وفي كل مرة يتضح أن الأمور جميعاً تمام إلا أن تبين الخلل!".

وبحسب الرملي فإن " الخلل بأن الأطباء في هذا المستشفى الخاص كانوا قد نسوا احدى أدوات العملية داخل البطن أثناء التنظيف على الجرح"، وفقاً لحديثها.

أما المواطن أبو راغد فيشتكي هو الآخر من هذا التردي بقوله "والدتي تبلغ من العمر 60 عاماً وقد خضعت لعملية قبل أسبوعين تقريباً في مستشفى الشفاء كونها تعاني من سرطان القولون الأمر الذي استدعى قص جزء من القولون المتضرر نتيجة الورم وقد استغرقت العملية 6 ساعات وتم إخراجها من المستشفى بعد ثلاثة أيام من العملية".

ويضيف لـ"الجديد الفلسطيني" بحسرة شديدة "بعد يومين من خروجها من المستشفى حدث التهاب للجرح في الغرز (القطب) مما أدى إلى تفكك هذه الغرز وفتح الجرح الذي التهب بشدة وأصبح هناك صديد".

"حتى اليوم الجرح مفتوح ولم يخيطه الأطباء مكتفيين فقط بوضع الشاش والقطن داخله في انتظار أن يجف هذا الجرح مما فيه من صديد كي يتمكنوا من خياطته، حالتها صعبة للغاية والسبب في هذا كله قلة التعقيم والتي هي عبارة عن منظومة متكاملة من الأدوات ومستلزمات الجراحة وبالتالي فإن أي خلل يحدث هنا يؤدي إلى دخول البكتيريا وتكاثرها مما يسبب الالتهابات"، على حد قوله.

أسباب الالتهابات

يجيب الدكتور شعبان شراب (طبيب نساء وولادة) بقوله: "نعم هناك حالات يحدث فيها التهاب ما بعد الولادة (القيصرية) ولكن الأمر ليس له علاقة مباشرة بقلة التعقيم بل إن هناك أكثر من سبب قد يكون قلة التعقيم أحد هذه الأسباب لكن أيضاً هناك أسباب أخرى كالمضادات الحيوية التي يتم التعاطي بها بعشوائية كبيرة والتي يقوم الجسم بعد فترة من تعاطيها بإحداث معادلة من التعود والتأقلم عليها من قبل جسم المريض وبالتالي تصبح هذه المضادات غير ذات مفعول".  

ويضيف شراب لـ"الجديد الفلسطيني": "بعد أي عملية إذا لم تكن الولادة والعملية طارئة يجب ألا تأخذ الحالة أي مضادات حيوية وهو أمر وبرتوكول علاجي معمول به في أنحاء العالم وتم تطبيقه في غزة مؤخراً ولكن لفترة وجيزة بعد أن وجدوا أن الأمر غير قابل للتطبيق".

أما فيما يتعلق بجهاز التعقيم المعمول به في مستشفى الشفاء بغزة فيعلق الدكتور بقوله: "الجهاز قديم كونه مستخدم منذ العام 1999 ويعود السبب في هذا الأمر للحصار الإسرائيلي وكونه جهاز قديم فيفترض أن يتم صيانته بشكل دوري لضمان جودة التعقيم للأدوات المستخدمة في العمليات الجراحية".

قلة الإماكانيات

بدوره نفى الدكتور هاني مهدي (استشاري نساء وولادة) مدير مستشفى الولادة في مجمع الشفاء الطبي أن يكون الالتهاب في عمليات الولادة ناتجة عن قلة التعقيم، إذ يؤكد "نسبة التهاب الجروح بعد العمليات عالمياً تتراوح ما بين 6-15 % سواءً ما بين عمليات القيصري وعمليات النساء والولادة".

وأضاف مهدي في حديث لمراسلة "الجديد الفلسطيني": "إحصائيا هناك 260 عملية قيصرية وحوالي 200 حالة نساء شهرياً في مستشفى الشفاء، نسبة التهاب الجروح بعد العمليات في غزة 5% أي أننا في المعدل المعقول إذ أن لدينا كل شهر 12 حالة قيصرية يحدث فيها التهاب فنسبة الالتهابات ما بعد العمليات طبيعية برغم الظروف التي نعيشها وهو كلام رسمي مثبت".

وأكد أن المشكلة في غزة أن مساحتها صغيرة والناس تعرف بعضها البعض ولذلك فحين يحدث التهاب في احدى العمليات يتم تعميم هذه الحالة على الـ 260 حالة من الحالات الأخرى".   

واجابة على سؤالنا عن قدم جهاز التعقيم، يوضح الدكتور مهدي "طالما أنه يعقم ويقوم بوظيفته في تعقيم أدوات العمليات فلا ضير في كونه قديم كما أن الأمر كما يعلم الجميع منوط بالإمكانيات المتاحة، لكن طالما أن هذا الجهاز يؤدي الغرض فلا حاجة لتغييره إذ لا يستخدم للمريض أي من الأدوات إلا ويتم تعقيمها مسبقاً".  

أما فيما يتعلق بأسباب حدوث الالتهابات ما بعد العمليات في مستشفى الشفاء بغزة يفيد الدكتور مهدي أن "معظم الحالات التي يلتهب لديها الجرح تكون حالات كبيرة في السن أي أن مناعتها تكون ضعيفة أو تكون الحالة تعاني من مرض السكري أو ضغط الدم كما أن من الطبيعي أن تتعرض الولادة القيصرية المستعجلة الطارئة لالتهاب ما بعد العملية كونها لا تحصل على مضاد حيوي قبل العملية بينما الحالات القيصرية المبرمجة ففي الغالب لا يحدث فيها التهاب كونها تحصل على مضاد حيوي قبل العملية بنصف ساعة كوقاية وهناك حالات تنصح بتعاطي المضاد الحيوي بعد العملية في حال حدوث مضاعفات أثناء العملية".

وأكمل "تلعب قلة الإمكانيات هي الأخرى عامل مساعد في موضوع الالتهابات فمبنى الولادة في مستشفى الشفاء قيد الإنشاء حالياً ولذلك نعاني من ازدحام شديد للغاية إذ لدينا 12 سرير للمخاض وعليه نستقبل الضعف من حالات الولادة" وفقاً لحديثه.

مسببات أخرى

ولمعرفة كيف يؤثر التقادم على عمل جهاز التعقيم تواصلت مراسلة "الجديد الفلسطيني" مع فنيي الأدوات الطبية وهنا يعلق وسام ياسين فني أدوات طبية على الأمر بالقول " تقادم جهاز التعقيم الموجود في مستشفى الشفاء بغزة لا يؤثر على عمله لأن عملية التعقيم تتم بالتسخين والضغط، وبالتالي فإن المواد تصبح معقمة لكن فيما يتعلق بحدوث الالتهاب فإن للأمر مسببات أخرى تتعلق بالغرفة ذاتها التي تجرى فيها العملية للمريض".

ويضيف "أتوقع أن الأسباب الأخرى للالتهاب هي نتيجة استخدام نفس الأدوات في العملية لمريض آخر اضطراراً أو إما بسبب كون الحالة مستعجلة أو ضيق الوقت وهنا يحدث التهاب نتيجة انتقال الأدوات من مريض لآخر".

"فحين يضطر الطبيب استخدام الأدوات من مريض لآخر فإنه لا يستطيع انتظار جهاز التعقيم الذي يحتاج نصف ساعة من الزمن لعملية التعقيم وبالتالي يضطر إلى وضع الأدوات في محلول "سايبكس" وفيها تنقع المواد لمدة خمس دقائق وبعدها في محلول ملحي ولكن هذه العملية من التعقيم لا تغني عن جهاز التعقيم"، وفقاً لحديثه. 

ويقول فني تمريض في مستشفى الشفاء بغزة (فضل عدم ذكر اسمه) "جهاز التعقيم في مستشفى الشفاء بغزة يخضع لصيانة دورية لكن هذا الأمر لا يتم في المستشفيات الخاصة حيث ازدياد نسبة الالتهابات التي تصلنا من المستشفيات الخاصة لمستشفى الشفاء والسبب لا علاقة له بتعقيم المواد بل بتعقيم الغرفة ومحتوياتها إذ يفترض أن يتم تعقيم غرفة العمليات خاصةً طاولة العمليات بمادة الكلور بعد كل عملية".

ويضيف: "أغلب المستشفيات التي لا تعمل مع المؤسسات الدولية لا تتبع بروتوكول تعقيمي سليم وبالتالي تبقى البكتيريا وتسبب التهابات في الجرح وعلى إثر ذلك يحدث التهاب في العملية".

"يبقى مستشفى الشفاء هو الأفضل في منظومة التعقيم في مشافي غزة والدليل تحويل كثير من العمليات الملتهبة جراء القيام بها في المستشفيات الخاصة لمستشفى الشفاء إذ، يومياً، يتم تحويل من 2-3 حالات تعاني من التهاب العملية سواءً أكانت التهابات عملية قيصرية أو فتاق أو غيرها من العمليات"، وفقاً لحديثه.

يذكر أن القطاع الصحي في غزة يعاني من مشاكل لها علاقة بنقص الكوادر الطبية بسبب أولاً توقف عدد كبير من موظفي السلطة العاملين في وزارة الصحة عن العمل بعد الأحداث الدامية عام 2007 بعد تسلم حركة حماس مقاليد الحكم ثانياً بسبب هجرة الكثير من الأطباء في غزة إلى الخارج بسبب ما يعاني القطاع الصحي من مشاكل تتعلق بتدني مستوى الرواتب بالنسبة للأطباء إذ يحصل الأطباء في غزة على 40% من رواتبهم كل 45 يوم.