من سرق روايتي.jpg

م 03:27 11 سبتمبر 2019

عن بداية الثمانينات في مصر

بقلم / عبد الغني سلامة
تأسست جماعة الإخوان في مصر سنة 1928، ومع بداية الخمسينات كانت قد انتشرت في عدد كبير من دول العالم، وفي نفس الفترة تأسس حزب التحرير.. وكان تمثيل الإسلام السياسي في تلك الفترة يكاد يقتصر على هذين التنظيمين.

وحتى السبعينات ظلت جماعة الإخوان هامشية، ومعزولة مجتمعيا، رغم تعدادها الكبير، بيد أنها بعد ذلك، ستغدو تنظيما رئيسا، وستلعب دورا بالغ الأهمية، وسيتعاظم حضورها في المشهد السياسي والإعلامي، وسيخرج من تحت عباءتها العديد من تنظيمات الإسلام السياسي.
قبل عام 1980، لم يتجاوز عدد الحركات الدينية الميالة للعنف أصابع اليد الواحدة، وخلال عقد الثمانينات تضاعف العدد ثلاث مرات، ومع أواسط التسعينات نما العدد ليربو إلى نحو ستة وعشرين منظمة وحركة جهادية تؤمن بالعنف وتمارسه فعليا.. اليوم تكاثرت الأحزاب الدينية لدرجة يصعب حصرها.

وطالما أن البداية كانت من مصر، يجدر بنا دراسة واقعها الاجتماعي والسياسي، لمعرفة أسباب الظاهرة، وتأثيراتها على المنطقة.
في البداية، أطلق الرئيس الراحل أنور السادات (1970-1981) العنان للإسلاميين، فحررهم من السجون، وسمح لهم بالعمل التنظيمي والإعلامي، بل وفتح لهم معسكرات التدريب، ظنا منه أنه سيلعب بهم داخل الجامعات، وسيكنس بهم مخلفات العهد الناصري وبقايا الماركسيين، ليمسك بكل الخيوط.. وفي النهاية انقلب السحر على الساحر، وانتهى المشهد المأساوي بحادثة اغتياله على المنصة.

ومن ناحية ثانية، أدت سياسة الانفتاح التي رسخها السادات إلى اتساع الهوة بين طبقات الشعب، وتعميق الظلم الاجتماعي، وانتشار الفساد في مؤسسات الحكم، وانتشار العشوائيات السكانية، وتآكل الطبقة الوسطى، وهبوط شرائح كبيرة منها إلى أسفل خط الفقر، وتضخم بيروقراطية الدولة، وتوّسع اقتصاد الخدمات، وظهور اقتصادات طفيلية موازية، وتلاشي الفلاّحين كطبقة ذات خصائص اقتصادية واجتماعية وثقافية ثابتة، إضافة إلى الانفجار السكاني الهائل، هذه كله أدى إلى خلق وتكوين شرائح اجتماعية جديدة، سماتها الواضحة أنها فقيرة ومهمشة، وتفتقر إلى ملامح أو تقاليد طبقية ثابتة، لكنها تمثل الغالبية العظمى من سكّان المدن. (حسن خضر، «الأيام»).
في عهد السادات، نمت الحركات الإسلامية، وتكاثر المشايخ والخطباء، وامتلأت الأرصفة بكتب «سيد قطب» و»أبو الأعلى المودودي»، وكاسيتات «الشيخ كشك» و»عمر عبد الرحمن» و»القرضاوي» وغيرهم، ممن دخلوا سباقا محموما في الاستحواذ على عقول وأفئدة الشبان، ثم تمكنت الجماعات الإسلامية من السيطرة على الجامعات والنقابات، وخرجت الأمور عن سيطرة النظام.
وفي هذا الإطار، أشار حسن خضر لدور كل من الشيخ الشعراوي، ود. مصطفى محمود، وزغلول النجّار، خاصة من خلال ظهورهم الإعلامي على التلفزيون، في فترة كان التلفزيون فيها مركزيا في الحياة الاجتماعية، ولدورهم مع غيرهم، في إنشاء مؤسسات اقتصادية واجتماعية، وتأسيس أوّل بنك «إسلامي» في مصر.

في خضم تلك التحولات، انقلب النظام مرة ثانية على الإسلاميين، وزج بهم في السجون، في هذه السجون الرهيبة وُلدت أفكار التعصب والحقد على المجتمع، ونشأت مفاهيم التكفير، ووُلدت التنظيمات التي لا تؤمن إلا بالعنف، كالجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية وغيرهم.
وحسب رأي محمد محفوظ في كتابه «الذين ظُلموا»، فإن تلك الظروف الضاغطة أدت إلى توليد الجماعات المتطرفة، مثل جماعة التكفير والهجرة. فكتب: بعض المتدينين الذين عجنهم الفقر فيما اعتبروه «المجتمع الجاهلي» أرادوا أن ينبذوا هذا المجتمع في ضمائرهم ويمارسوا التقية انتظارا للفرج، ولكن آخرين رفضوا هذا المبدأ السلبي، وشرعوا بممارسة المفاصلة الكاملة مع المجتمع، فهجروا مجتمع الكفر، ولكنهم أقاموا يثربهم على تخوم المجتمع وناصبوه العداء..».

في تلك الأثناء بدأت المساجد تتحول إلى بؤر توتر، ومراكز تصدير لأفكار التعصب والغلو، وهبط مستوى العديد من الجامعات وتراجع دورها الحضاري. ويشرح محفوظ حيثيات هذا الوضع قائلاً: «مدرجات الطلبة التي تتسع إلى بضع مئات على أكثر تقدير صارت تُحشر فيها الآلاف من الطلبة، الذين بالكاد يرون أستاذهم أو يسمعون ما يقوله، والمختبرات تكدست فوق طاقتها الاستيعابية، وهاجر العديد من الأساتذة المميزين، وأصبحت الجامعات مكانا مكتظا لا يختلف عن وسط البلد، يتجمع فيه الشباب ومعهم شقاؤهم ورعبهم من المستقبل، بينما أعداد الخريجين تفوق كثيرا حاجة البلد ضمن توزيع غير متوازن، وكانت النتيجة هجرة الكفاءات للخارج، وانخراط المزيد من الشبان في التنظيمات الجهادية.. وهؤلاء شبان خبروا العشوائيات والأزمات الخانقة والقمع السلطوي والفقر والبطالة والقهر الاجتماعي، وما إلى ذلك من بيئة مجافية لا تورث إلا العنف والحدة، ومن تربة لا تنبت إلا التطرف». تلك الظروف ستؤدي إلى انفجار المَرْجَـلْ في مصـر.
في هذه الفترة المفصلية شهدت البلاد أحداثاً جساماً، وتغيرات جذرية ليس في مصر وحدها، بل في المنطقة ككل، كان لها أثر هام على تطور الفكر الجهادي للحركات الإسلامية، حيث دخلت مصطلحات ومفاهيم جديدة، مثل: الولاء والبراء، التتريس، الخروج على الحاكم، قتل المرتد، إلزام المسيحيين دفع الجزية، تحريم السياحة، نبذ المجتمع الجاهلي، إلزام النساء بارتداء النقاب، تطبيق الشريعة، الحاكمية لله، دار الإسلام ودار الكفر.. هذه المفاهيم باتت عماد الأيديولوجيا الجديدة، ومحور خطابها الإعلامي وبرنامجها العملي، وهي وإن كانت موجودة أصلاً في التراث الأصولي الإسلامي؛ إلا أن إعادة إحيائها على يد فقهاء الحركات الجهادية مسألة تندرج في إطار تسييس الدين، وتوظيفه لأهداف سياسية حزبية.

في الجزائر أدت خيبة أمل الجماهير العريضة من أداء جبهة التحرير الوطني، التي تفردت بحكم البلاد ثلاثة عقود متتالية، وما لمسوه منها من فساد وقمع للحريات طوال فترة حكمها، وهي التي تُوجت بأزمة اقتصادية خانقة، أدى ذلك كله إلى بروز تيار ديني يبشر الناس بالحل، ويطرح نفسه بديلا إقصائيا لكل ما هو موجود، ما أدى إلى عشرية دموية تقشعر لها الأبدان.. وتتشابه نفس العوامل والنتائج إلى حد كبير في كل من تونس والمغرب.

في حقبة التسعينات هُزم العراق، وانقسمت البلاد العربية على نفسها وتفكك الاتحاد السوفييتي، وأطلت الفتنة الطائفية برأسها في المنطقة، وانتهت الحرب الأفغانية، وبرزت طالبان وتنظيم القاعدة، وعاد الأفغان العرب إلى بلدانهم، ودخلت البلاد والعباد في المرحلة الأميركية، ومعها دخل العالم ما عُرف بحقبة الحرب على الإرهاب.
وكان نتاج ذلك كله، انكفاء مشروع التحرر الجماهيري فيما عرف بثورات الربيع العربي، ودخول المنطقة بأسرها في مرحلة جديدة، يمكن القول إنها بالغة السوء.