thumb.jpg

م 05:01 05 أكتوبر 2019

التدخل الروسي في سورية...ونهاية الحرب

بقلم/ عبير بشير

ربما يجوز القول، إن الحرب في سورية بمعناها التقليدي قد شارفت على النهاية، مع دخول التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية عامه الخامس، والذي حقق العودة الروسية للمنطقة والتمركز في قلب النظام الدولي، وحصول موسكو على قواعد عسكرية  في سورية لأمد غير محدود وتخضع كليا للسيادة الروسية.

ورغم الرواية المتداولة، بأن إيران طالبت روسيا وبشكل عاجل في العام 2015 بالتدخل بشكل فوري وفعال في سورية، بعدما شعرت طهران بأن بشار الأسد قاب قوسين أو أدنى من السقوط تحت ضربات المعارضة، وإنها ستخسر مشروعها التي أسسته في سورية والإقليم لعقود. إلا أن التدخل الروسي في سورية بطائرات السوخوي، لم يكن لنجدة طهران أو دمشق، بل وجدته موسكو فرصة جيواستراتيجية للبدء بعودة نوعية جديدة إلى المنطقة، بعد عقدين من الانكفاء عقب فرط عقد الاتحاد السوفياتي، ولتحقيق الوصول إلى المياه الدافئة للبحر المتوسط بشكل دائم.

رفعت روسيا منذ بداية أحداث الثورة في سورية، حالة التأهب القصوى، خشية من خطورة قوى الإسلام السياسي – التي سطت على صدارة مشهد الربيع العربي - على الأمن القومي الروسي. ولم ترغب موسكو بتكرار سيناريو سقوط القذافي، الذي ترى فيه انه تم خداعها، وأن الولايات المتحدة، وحلف «الناتو» استغلوا القرار الأممي رقم 1973 ليطيحوا بالقذافي حيث اعتبر بوريس دولغوف من أكاديمية العلوم الروسية: «أن مجلس الأمن كان قد تبنى حينها قراراً بصيغة معينة بخصوص ليبيا، لكن الغرب تصرف هناك بصيغة أخرى...والنتيجة هي أننا نرى دولة منهارة وحكومتين متناحرتين في طرابلس وطبرق». 

وأعطى تذبذب الأداء الأميركي في الملف السوري وعدم ثباته واتسامه بردود الفعل وفق قواعد الحد الأدنى من التدخل، لروسيا قوة دفع من أجل العودة النوعية للمنطقة، بحيث تعمل من خلالها على ملء الشواغر الناجمة عن مخرجات إستراتيجية أوباما، القائمة على مبدأ القيادة من المقعد الخلفي، وعدم الانخراط المباشر في ملفات الإقليم. وقام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في العام 2017، باستعراض نفوذ بلاده المتنامي في أكثر من ساحة جغرافية في الشرق الأوسط، من خلال زيارة شملت ثلاث دول في يوم واحد هي: مصر وتركيا وسورية.
إن المتغير العميق في الملف السوري هو أن التدخل الروسي المباشر في سورية أواخر 2015، ونجاح تطويع موسكو لميادين السياسة والعسكرة في سورية، قد حجم إلى حد بعيد الطموحات الناشئة لدى قوى الإقليم، وفرض عليها أن تنسج سياساتها وفق المنوال البوتيني. وبات مفهوم «القوة الحادة»، يستخدم في توصيف، سياسات الاختراق الروسي للشرق الأوسط، وأصبحت موسكو تتمتع بعلاقات مركبة مع العديد من دول الإقليم، تتنوع ما بين أطر التعاون الاقتصادي، ونظم التعاقد التسليحي والعسكري، ومسارات الدعم الاستخباراتي المتبادلة.
وشكل التوجه الروسي الجديد، الرامي لإعادة تعريف ملفات المنطقة وفقا لمخيال موسكو، وخصوصا «تثبيت أولوية مكافحة الإرهاب» في الإقليم، محددا رئيسا لمعظم الفاعلين في المنطقة ابتداءً من دول الخليج.
لقد فرضت الجغرافيا على روسيا الاهتمام بتفاعلات الشرق الأوسط، بحكم كونها تشغل الحيز الأكبر من الكتلة الأوروآسيوية الملاصقة للمنطقة. واتجهت السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط،
نحو منع امتداد الصراعات الإقليمية إلى المناطق الجنوبية من كومنولث الدول المستقلة الذي نشأ بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وخصوصا أن موسكو تنظر إلى منطقة آسيا الوسطى والشرق الأوسط على أنهما أصبحتا مشتركتين في تكوين ما يطلق عليه «الفضاء الإسلامي الموحد». وخشيت موسكو من اندلاع صراعات إقليمية تمس مصالحها السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والثقافية.
لذلك فقد حكمت الإستراتيجية الأمنية الخاصة بموسكو، علاقة روسية بالملف السوري، واعتبرت موسكو أن ضرب وهزيمة وتصفية القوى الإسلامية المتطرفة، هي من أولويات سياستها العسكرية في سورية، نظراً لتأثيره على العمق الاستراتيجي الروسي، فقد انخرط آلاف الجهاديين القادمين من آسيا الوسطى - كازخستان، طاجيكستان، قيرغيزستان، تركمنستان - ومن القوقاز مع تنظيم «داعش»، وتشكل منطقة شمال القوقاز، بإطلالها على البحر الأسود غرباً، المنفذ الرئيسي لموسكو عبر مضيقي البوسفور والدردنيل إلى البحر المتوسط.
وشكلت قاعدة حميميم الجوية الروسية في محافظة اللاذقية منطلقاً للعمليات الجوية العسكرية الروسية في سورية، وقام الطيران الروسي بتأمين الغطاء الجوي الكثيف لقوات النظام إلى جانب القوات المدعومة من طهران للقتال على الأرض ضد فصائل معارضة في المدن والقرى السورية، ودفع الضغط الناري كثيرا من فصائل المعارضة المسلحة، إلى القيام بتسويات مع النظام السوري بضمانة روسية. وبرز تكرار التجربة الشيشانية في سورية من خلال سياسة قضم المناطق الإستراتيجية، وسياسة الأرض المحروقة، قبل أن تنتقل روسيا لترتيب آليات إقليمية مع اللاعبين المؤثرين ميدانياً، خصوصاً تركيا وإيران، عبر مسار أستانة، ومناطق خفض التوتر.
وأقرت وزارة الدفاع الروسية بأن أكثر من 63 ألف عسكري روسي، بينهم 26 ألف ضابط و434 جنرالًا، تلقوا الخبرات القتالية العملية في سورية، وأشارت الوزارة إلى أن هذه المشاركة أتاحت فرصة ثمينة لإثبات فعالية السلاح الروسي.
وتشير التقارير الى أن الخسائر المالية لروسيا في الحرب السورية تكاد تقترب من الصفر، ذلك أن الإنفاق على الحملة العسكرية السورية وضع تحت بند في موازنة وزارة الدفاع التي تبلغ وفقاً لأرقام رسمية نحو 80 مليار دولار، وتتعلق بإجراء التدريبات وتطوير طرازات الأسلحة الروسية.
ولا يمكن أن نتجاهل في خضم ذلك، أن المقاربة الروسية حيال الشرق الأوسط ترتكز أيضا على المحرك الاقتصادي - بجانب البعد العسكري والسياسي، كمحرك حاكم في صوغ المقاربات الروسية. وقد سعت موسكو إلى استدراج عقود للصناعات الحربية، ولأسلحة كتب عليها «جرب في سورية» كعلامة جودة، كما سعت للسيطرة على قطاعات مهمة من الاقتصاد السوري لصالح شركات روسية. وبخلاف الأسواق التقليدية للنفوذ الروسي، تتطلع روسيا للنفاذ إلى أسواق جديدة. وتعد تركيا ثاني أكبر مستهلك للغاز الروسي بعد ألمانيا، وتستورد نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا عبر خطي أنابيب «بلو ستريم» الذي يمر تحت البحر الأسود الشرقي، و»الخط الغربي» عبر البلقان.
ومع دخول التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية عامه الخامس، تمت إعادة فتح معبر القائم – البوكمال - على الحدود السورية العراقية، في خطوة تدل على إعادة فرض الحدود السورية التي كانت «داعش» قد أزاتها.
كما تم الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية، وإطلاق الحل السياسي، وسيمنح ذلك القيصر بوتين الظروف المناسبة للعودة نحو ملف إعادة الإعمار ومطالبة الغرب بالتمويل ولو جزئيا، على أساس أن الحل السياسي انطلق.... والرحلة طويلة وشاقة.