م 01:02 23 ديسمبر 2019

غزة..كيف تتعامل المحاكم الشرعية مع عقود الزواج العرفي؟

خاص الجديد الفلسطيني

ريما السويسي

تجلس "سامية" التي اكتفت بالاسم فقط نظراً لحساسية الموقف، لدى مكتب أحد المحامين الشرعيين في غزة تفرك يداً بيد وهي تستمع لمطالب المحكمة الشرعية في الدعوى المقدمة من قبلها "إثبات زواج"، تنظر بخوف كلما دخل المكان أحد ما كونها لا تريد أن يُفتضح أمرها.

سامية (30 عاماً) اضطرت للسفر إلى العريش بعدما رفض أهلها عريساً تقدم لخطبتها ،وبعد عدة محاولات باءت بالفشل في إقناع أهلها بأهلية "محمد" للزواج بها قبل أن يفوتها قطار الزواج، قررت هي ومحمد الذي تعيش معه قصة حب استمرت أربع سنوات أن تسافر إلى مصر للزواج بعيداً عن رفض الأهل وعلم زوجة محمد الأولى.

وحول ملابسات ما حدث معها تقول سامية أنها كنت دائماً على خلاف شديد مع عائلتها التي زاد طينها بلة حين لم يحترموا قرارها في اختيار شريك حياتها خاصة وأنها تعتبر نفسها على أبواب العنوسة تقول "فأنا لست صغيرة، أعلم أن الأمر ليس بالهين ولكنها حياتي الخاصة، أنا لم أقم بشيء مخجل بل تزوجت بالحلال".

وتضيف بأن ظروف كثيرة حالت دون إتمام الزواج بغزة سواءً من طرف عائلتها أو من طرف محمد الذي لديه زوجة أولى وأولاد، لذلك قررنا أن نتزوج عرفياً (ورقة عرفي) في العريش على يد محامي (خال محمد) الذي يعيش هناك وكنا قد اتفقنا على هذا الزواج".

"حين حضرت إلى غزة أخبرت أمي بما حصل فغضبت مني وطردتني من البيت، أقمت فترة في بيت الأمان وبعدها انتقلت للعيش مع زوجي"، وفقاً لحديثها.

سامية حالياً بصدد إثبات هذا الزواج في محاكم غزة الشرعية وللأسف لم تأت الرياح بما تشتهي السفن، إذ اصطدمت بمطالب المحكمة التي اشترطت موافقة ولي سامية كونها بكراً وتقول هنا "توجهت لمحامي كي أثبت زواجي بشكل رسمي لكنه أخبرني بصاعقة أن القانون ينص على موافقة الولي لإتمام إثبات هذا الزواج، والدي متوفي وإخوتي الرجال يعارضون زواجي".

ولا يزال مصير زواج سامية يكتنفه الغموض فإجراءات المحكمة الشرعية لها شروط في التعامل مع العقد العرفي، فالأمر ليس متروكاً على الغارب في مثل هذا النوع من العقود.

وفي حالة أخرى تقول سعاد (27 عاماً) عن تجربتها بعد إلحاح شديد من طرفنا أنها سافرت إلى مصر للدراسة وهناك تعرفت إلى شاب غزي وشعرت بأنها تريد سنداً لها في الغربة فقررا الزواج وكونهما من غزة لا يمكن لهما الزواج عبر المحاكم المصرية".

وتضيف بأنها تواصلت مع عائلتها لتخبرهم بقرار الزواج فلم توافق، وحين احتدم الخلاف ودون وعي منها وتحت ضغط شريكها تم توقيع عقد "عرفي" بينهما على يد محامي مصري".

هي حالات ليست بالكثيرة لكن مجرد وجودها في المجتمع الغزي ينذر بالأخطر لأن ما يحصل يأتي في ظل ما يعانيه قطاع غزة من أمراض اجتماعية أفرزتها الظروف الاقتصادية الخانقة حيث عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع معدلات العنوسة بين الجنسين فلم يكن بالحسبان أن تظهر في غزة حالات تتوجه إلى محكمة غزة الشرعية لإثبات حالات لزواج "عرفي" يتم في الغالب في مصر لأشخاص من غزة اضطرتهم الظروف إلى كتابة "ورقة عرفي" لدى أحد المحامين هناك.

الوضع القانوني

يقول المحامي (فضل عدم ذكر اسمه) بأنه تعامل مع قضيتين تحت مسمى "دعاوى إثبات زواج" لحالتين من الزواج العرفي أحدهما تمت في غزة والأخرى في مصر ويقول "هناك نوعان من الزواج "العرفي" والحالات تتراوح ما بين إما عدم تسجيل عقد الزواج قضائياً في المحكمة بعد إتمام عقد الزواج شرعياً وهنا يسمى العقد "عرفي" كون الزواج إيجاب وقبول وشهود وإشهار فإذا أخل طرفي العقد بهذه المكونات ينطبق عليهم الزواج العرفي". 

ويضيف "كونه لم يُسجل قضائياً في المحكمة يصبح العقد عرفي وتلجأ هذه الحالات إلى رفع قضية إثبات زواج لتسجيله في المحكمة الشرعية وبالتالي يحصلوا على عقد زواج رسمي" ،أما حول النوع الآخر يقول "النوع الآخر يكون غير مكتمل الأركان أي أن هناك خلل في مكونات العقد".

"هناك حالات يتم فيها الزواج العرفي في مصر بورقة وهي الحالات الأكثر شيوعاً"، وفقاً لحديثه.

وحول تفاصيل احدى الحالات لديه يقول "لدى حالة كانت قد أتمت إجراءات العقد لدى مأذون (وهو أمر خالف فيه المأذون المحكمة الشرعية إذ يجب تصديق وترسيم العقد قضائياً في المحكمة وهنا لم تكمل إجراءات الزواج في المحكمة الشرعية في غزة ولذلك يعد العقد "عرفي".

"هناك حالات كثيرة يتم عقد زواج "عرفي" في مصر وهم من سكان غزة على يد محامي مصري ويلجئون بعدها لمحاكم غزة ليتم ترسيمه قضائياً وهنا لا تتم المحكمة الشرعية العقد (الزواج) إلا بمعرفة وموافقة وليها وهكذا تتعامل مع العقود العرفية"، وفقاً لحديثه.

ويوضح "يحدث الزواج العرفي في مصر بدون الولي أما في غزة فعند ترسيم العقد فإن المحكمة تستدعي الولي لإتمام الزواج فإذا ارتأت المحكمة منطقية كلام الولي في فسخ عقد النكاح فلا يتم تثبيت العقد العرفي إذا لم يكن الزوج كفؤ وهناك شرط آخر ألا تكون الزوجة حامل لأنه في حالة الحمل فإن المحكمة لا تشترط موافقة الولي لأن الأمر يتعلق بعائلة وليس شخص". 

ويعلق المحامي على وجود هذا النوع من الزواج بقوله "هذه الحالات لم تكن منتشرة من قبل ولكنها للأسف بازدياد مؤخراً وبشكل خفي ،وتعود أسبابها للظروف الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة والعنوسة بين الشباب".

يشار إلى أن الزواج العرفي اصطلاحا يعني عقد زواج مستوفي شروطه الشرعية من إيجاب وقبول وإشهاد وإشهار ولكنه لم يسجل لدى الدوائر الرسمية.

هذا ويعود انتشار هذا النوع من الزواج إلى قلة الوعي القانوني والحقوقي إذ لا يترتب على هذا النوع من العقود أية حقوق زوجية لأن الزواج العرفي إن كان شرعاً هو صحيح لكنه يهدر حقوق الزوجية المترتبة على عقد الزواج.

أما فيما يتعلق بالمحامي الذي يقوم بإبرام هذا النوع من العقود فإنه تتم محاسبته فهو غير مسموح له كمحامي بالقيام بإتمام هذا النوع من العقود.

المحكمة توضح

وحول كيفية تعامل المحكمة الشرعية مع هذا النوع من العقود يجيب الدكتور سعيد أبو الجبين مفتش عام المحاكم في غزة "العقد العرفي إذا كان مكتمل الأركان والشروط (شهود وقبول وموافقة أهلية) لا يعتبر عرفي إذ قد يكون مانع تسجيله لأسباب لها علاقة بالدولة كأن لا يكون حاصل على إقامة في تلك البلد وأما الخلل فيكمن في عدم التسجيل لدى الدوائر الرسمية".

ويضيف "أما إذا افتقر هذا العقد لموافقة الولي هنا يكون الخلل "عقد عرفي" وهنا يحق للولي أن يفسخ هذا العقد بدعوى قضائية إذا اقتنعت المحكمة بطعنه بالزواج".

"نعم يوجد بغزة هذا النوع من الزواج لكنها حالات قليلة ففي هذا العام شهدت المحكمة حالتين من هذا النوع"، وفقاً لحديثه.

شرعاً العقد فاسد

يعلق رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي رئيس المحكمة العليا الشرعية على الأمر بالقول "العقد العرفي هو عقد فاسد لسببين الأول أنه لم يُنظم حسب ما هو معمول به في المحاكم الشرعية كونها جهة الاختصاص وثانياً قد ينقصه موافقة الولي أو عدم وجود شهود".

وحول تعامل المحكمة الشرعية يؤكد "أي عقد لم يخضع لمواصفات العقد الصحيحة الشرعية فالمحكمة الشرعية لا تتعامل به بل يلزمه أن ترفع دعوى إثبات زوجية والمحكمة أول درجة تفصيل تتعامل معه قضائياً وليس إدارياً أي لا يثبت الزواج إلا بحكم قضائي تابع لتدقيق محكمة الاستئناف والمحكمة العليا فإذا فصل بها قبولاً ترفع لها وجوباً لمحكمة الاستئناف وهي ترفعها للمحكمة العليا".

وحول عدد الحالات المنظور بها في هذا الشأن يقول الجوجو "هناك بعض الحالات في غزة وتم معالجتها ومتابعتها حسب الأصول ما بين المحكمة القضائية والشرعية كما ونرسل القضية للنائب العام ويتم استجواب من نظم العقد العرفي سواءً كانت كتابية أو شفوية".

ويختم الجوجو حديثه برسالة إلى الفتيات مفادها "كون العقد العرفي لا يثبت حقوق زوجية فإنه يلحق بها ضرر فاحش طبقاً للشرع والعرف".