م 07:06 12 يناير 2020

ماذا قال الخميني .. وبماذا ردّ عرفات؟

بقلم / حسن البطل

يُنسب إلى الخليفة الثاني قولة شهيرة: أخطأ عمر.. وأصابت امرأة. هل أنحل القول إلى: أخطأ المفكر والشاعر أدونيس، وأصاب حسن البطل؟
ينسب إلى أدونيس قوله: ربما لم يقرأ التراث الإسلامي والثقافي شخص آخر كما قرأت. مما كتب أحمد علي سعيد (أدونيس) غداة الثورة الإسلامية الإيرانية قوله: «شرفك يا غرب.. مات!» لكن صحافياً لامعاً، هو حازم صاغية، دبّج مؤخراً مقالة عن حاضر المجابهة الإيرانية ـ الأميركية، واقتبس عن أدونيس قوله: «وجهك يا غرب.. مات».
في جلسة ضمّت أدونيس وزوجته خالدة، وزوجتي منى السعودي، بحضور الشاعر محمود درويش، والشاعر معين بسيسو، راح أدونيس يؤكد رهانه على الثورة الإسلامية المنتصرة في شباط 1979، التي اعتبرت ثاني أهم ثورة في القرن المنصرم، بعد الثورة البلشفية.
لمّا لاحظ أدونيس أنني صامت، سألني: أليس كذلك يا حسن. ما كان مني إلاّ أن قلت: لا.. قد نعرف لاحقاً أن الخمينية أخطر علينا، عرباً وفلسطينيين، حتى من الصهيونية. كبرت ابنتي من طفلة إلى شابة، وسمعت منه مع زوجتي قوله: أصاب والدك حسن.
سيّان، إن قال: «شرفك يا غرب.. مات» أو قوّل «وجهك يا غرب.. مات»، فقد التقيت حازم صاغية في مطعم بمنطقة الشوف، وجادلته في حماسته للإمام الخميني. لاحقاً، قال أحد متابعيه، إنه اعتذر عن اندفاعه ورهانه، كما أخبر أدونيس زوجتي وابنتي أنني كنت على صواب.
سأدّعي أنني أخذت موقفاً سلبياً من الإمام الخميني، قبل خمس سنوات من سقوط عرش الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أقام احتفالاً باذخاً جداً، في ذكرى تأسيس «عرش الطاووس». لماذا؟
لمّا كان الخميني منفياً إلى العراق، كنتُ محرّراً في إذاعة الثورة في بغداد، وقرأتُ فتوى له تقطر سُمّاً زعافاً ضد اليهود كيهود، بعد حرب أكتوبر 1973 عاد الشاه من منفاه الباريسي، فلم يجد قبراً له سوى في مصر، ربما لأن إحدى زوجاته، فوزية، كانت مصرية، ولأسباب خاصة بالرئيس السادات، الذي اغتاله جنود مصريون إسلاميون، بقيادة خالد الإسلامبولي.
كان لعرفات، بعد انتصار الخميني، أن يقول: جبهتي الآن صارت من صور إلى خُراسان، ربما لأن (م.ت.ف) عارضت اتفاقية الفصل الثاني للقوات، التي رعاها هنري كيسنجر، الملقّب ساداتياً بـ»العزيز هنري»، وربما لأن الرئيسي حافظ الأسد اشتكى: هل يرفع عرفات شعار «القرار المستقل» في وجه سورية فقط؟
شخصياً، كنتُ مؤيداً لشهبور بختيار، بعد نفي الشاه لباريس، على أمل أن يخرج فدائيو ومجاهدو الشعب من تحت الأرض، في مرحلة نضالهم ضد «السافاك» الشاهنشاهي، ويقودوا الثورة، علماً أنهم كانوا مقاتلين في صفوف الثورة الفلسطينية.
بعد استقبال إيراني لوفد فلسطيني برئاسة أبو جهاد حظيَ عرفات باستقبال خرافي في إيران الخمينية، التي حولت سفارة إسرائيل في طهران الى سفارة فلسطينية.
قرأت تعقيبات فيسبوكية رداً على أحد المواقع المقرّبة من «فتح» عمّا جرى في لقاء ثان أو ثالث بين الإمام وعرفات، وهو مليء بالأخطاء الإملائية والنحوية، لكنه يزعم أن الإمام قال لعرفات وهما يجلسان على «طراحة» قُعوداً: إذا صارت الثورة الفلسطينية ذات توجه ديني إسلامي، فإن إيران سوف تدعمها.
يدّعي ذلك الموقع أن الإمام حاول «تشييع» عرفات والثورة الفلسطينية، لكن الحقيقة هي أنه حضّه على اعتناق الخط الديني لا الخط الوطني، فرفض عرفات، وقال: إنها ستبقى ثورة تحرُّر وطني.
كان عرفات يتردّد كثيراً على مكاتب «فلسطين الثورة»، بحراسة نخبة من قوات الـ17، ومنهم عرفنا أن الإيرانيين طلبوا في آخر زيارة لعرفات إلى طهران تفتيش حقائبه، فرفضت حراسات عرفات.. وحصل تهيؤ عسكري وإشهار السلاح بين الجانبين.. ومن يومها لم يزر عرفات طهران مرّة أخرى.
عندما كانت «فلسطين الثورة» تصدر كجريدة يومية، إلى جانب مجلة أسبوعية، احتفلت على مدى أسابيع بإصدار ملحق خاص بالثورة الإيرانية، كان يحرره محررون لبنانيون. لكن في المجلة كتبتُ مقالاً عن مجاهدي وفدائيي الشعب الإيراني، فردّت وزارة الخارجية الإيرانية برسالة إلى الدائرة السياسية للمنظمة، تتهمني بأنني «ماسوني».
يُسجَّل لعرفات أن «القرار المستقل» الفلسطيني لا يرفع في وجه سورية، ولا في وجه مصر الساداتية، بل ضد حلم عرفات: جبهتي من صور إلى خُراسان. ربما اعتراض عرفات على حرف الثورة الفلسطينية كحركة تحرر وطني إلى ثورة إسلامية ـ دينية، واحد من أسباب عرفات في الانحياز للعراق خلال حرب السنوات الثماني القاسية.
صار في إيران من يُباهي أن لإيران أذرعها في دول عربية عدّة، وتشكل في بعضها فيلقا حمل اسم «القدس»، وكما انحازت فصائل فلسطينية إلى هذا النظام العربي أو ذاك، فقد انحازت إلى إيران، لكن بقيت منظمة التحرير الفلسطينية ذات قرار مستقل عن سياسات أنظمة عربية، كما عن سياسة إيران الثورية.
رفضت (م.ت.ف) أن تتحول أداة من أدوات السياسة الإيرانية، بينما قبلت ذلك دول عربية كانت تشكو من القرار المستقل الفلسطيني، وشكلت إيران أذرعاً لها في دول عربية، انحازت بعضها ضمناً أو صراحة للسياسة الأميركية في إدارة ترامب، بينما رفضت السلطة الفلسطينية خطة ترامب.
كما زاودت فصائل فلسطينية على سياسة المنظمة في الانحياز لنظام عربي أو آخر، فإن الأذرع الإيرانية راحت تزاود نضالياً على السلطة الفلسطينية في الانحياز إلى إيران الإسلامية.
سأقتبس من الزميل عماد الأصفر تعقيباً ساخراً ـ لاذعاً عن شعارات تحرير فلسطين والقدس:
• «مرّة واحد بدّو يحرر فلسطين.. راح بعث جيشه إلى اليمن» (إيران).
• «مرّة واحد بدّو يحرر فلسطين.. نسي الجولان وبعث جيشه إلى لبنان».
• «مرّة جماعة بدها تحرر فلسطين.. راحت على أفغانستان» (الحركات الجهادية الإسلامية).
• «مرّة حزب بدّه يحرر فلسطين.. راح على روما يفتحها» (حزب التحرير الإسلامي).
• «مرّة واحد بدّو يحرر فلسطين.. نسي الطريق وراح احتل الكويت».
• «مرّة واحد بدّو يحرر فلسطين.. راح على البحرين وتحريض الشيعة على حكم السنّة».
• «مرّة واحد بدّو يحرر فلسطين.. راح على ليبيا» (دعم تركيا أردوغان لجماعة «حكومة الوفاق» في ليبيا).
اعترفت إيران بإسقاط الطائرة الأوكرانية عن طريق الخطأ. هذا يعني أن أموراً ستترتب على ذلك.
كانت أميركا قد أسقطت بصاروخ طائرة يابانية خطأ العام 1988، قتل فيها 290 ضحية.
كانت روسيا أسقطت بصاروخ طائرة أوكرانية، لكن خطأ أميركا وروسيا غير خطأ إيران.
حسن البطل