م 11:33 28 ابريل 2020

واقع العمل الخيري ونَّجدان الإحساس الصادق والشِرك الخفي.!

بقلم/أحمد المدهون

كما هو معلوم، يُطلق مصطلح العمل الخيري، على كل سعى لخدمة الناس، سواء أكان الأمر من خلال شعور ديني أو واجب وطني، أو إخلاص إنساني، و بالقدر الذي تكون به الغاية نبيلة، فإن هناك توجيهات للمُتلقي لهذا الخير " فقيراً - مسكيناً - محتاجاً"، وإلزامات شديدة تخاطب صاحب العمل الخيري بإختلاف تسميته..

وإذا ما اطلعنا على بعض الأيات التي تخص هذا الموضوع، ننظر أن الأيات القراءنية عظيمة في الكشف عن حقيقة النفوس الزكية، وإعجاز التعبير المجازي في نعتها، فنجد في قوله تعالى : "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف" واصفاً حال الفقراء الذين منعتهم عزة النفس لديهم، من طلب الصدقات من الأغنياء، فكانوا بذلك أغنياء الروح، فيما أن غيرهم تراودهم غنى النفس المادية، والقيمة الجامدة.

واليوم مما يطرأ على الساحة الفقيرة، من تذلل في طلب الحاجة، بعكس التوجيهات الإلهية، التي تقول للنفوس بالتعفف، رأينا أن الجمعيات الخيرية، حينما تُجري بحث إجتماعي، لإظهار من يحتاج أكثر، فيظهر في تشخيص كثير من الحالات أنه على سبيل المثال وصف( محتاج ولكنه لا يشبع)، فتجد هذه المؤسسة الخيرية، تعطيه من منطلق سد شكواه وكثرة تذمره، أي ولربما يلاحق ذلك نوع من المّن والأذى، ولا إكتراث من طرف الفقير، للتوجه السلطوي الذي يحتوي على الإهانة من قِبل الغني المُعطي، لأنه قد أهان ذاته في بداية الأمر، حيث خالف التوجيه الإلهي في الأية، الذي أتى بحالة وصف.

ولكن مع التعمق بالنص نجد كثير من الدلالات الفلسفية، والإيماءات التي تشير بتنمية النفس من منطلق روحاني، حتى لا يشعر بالنقص بتركيبته وطبيعته البشرية، التي ينتابها النقص والإفتقار والمعاناة والألم..

وعليه فإن ردة الفعل المصحوبة على هذا الفقير، التي أتت من سوء إدراكه لوضعه الروحي الذي يفترض أن يكون به، هي ردة فعل بائسة من قبل الغني، وتخالف نصاً قراءنياً أخر، في غاية الأهمية والإلتزام الجوهري بالمبادئ الأخلاقية وهو : " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى"، و المن هو إتباع الوسواس الشيطاني وبما يخلق حالة من الغرور التي يفصل بينها وبين الأذى خط رفيع جداً، و وصول الأذى هو نِتاج حالة الرياء التي إنتابت غني المادة، و الرياء في مجمله الظاهري والمتعدد هو شرك خفي، يراد به الإيمان وخير الصنيعة، لينقلب شر قبيحة.

والإيمان هو شريطة من شرائط التزكية، استوجاباً بِما بدأت به الأية " يا أيها الذين آمنوا"، فلم يقل " يا أيها الناس"، لأن الأمر إصطفاء، حتى أولئك الذين يبادرون بالخيرات وينشؤون الجمعيات، تتقطع بهم السبل بعد فترات وتبان حقائقهم، ذلك لأنهم لم يكونوا على قدر المسؤولية بالتكليف الإلهي، من صيانة النفس، و المصير لهم يتم استخراجه من ذات الأية، فإن لم ينتهوا كما أمرهم، سيكون البطلان للأعمال، خلاصة للزيف الذين إدعوه.

ومن الممكن لتأكيد المعنى الحقيقي لما ينتهوا به، إستدراك الأيات في سورة الكهف :" قل هل ننبئكم بالأخرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً"..

فلم تتشابه الألفاظ في الأيات، بل تشابهت الحقائق، وأعلاه قُلنا أو ادركنا - إن صح التعبير- أن الغرور هو (شركٌ خفي)، الذي يقابله بالفهم معنى الأية (يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)، بعد اجتهادهم في السعي بالدنيا، يا لهذا الحظ المندثر غروراً و حقاً..! ويا لعظمة المسألة، وخاصة فيما نراه في بلادنا، من شركيات تُذهب العمل الخيري هباءا منثوراً.!

فلا بد لنا من وقفة جادة مع هذه الأية الرقراقة في سورة مريم :" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا"، فهي خير رسالة تبشير وطلب وِد لمن ألغى الفجوة بين قول الله وعمله الأرضي والنفسي، هذه الأية تحتاج قلوباً وعقولاً تتدبر.