ص 11:35 25 مايو 2020

ترجل حسين عن المسرح

بقلم/عمر حلمي الغول

هناك اشخاص يستوقوفنك، لإنهم يتركون بصمة في صفحات المجد والعزة والكرامة والإبداع، كونهم أصحاب تجارب مميزة وإن تنوعت أمكانهم ومواقعهم في صيرورة النضال الوطني او القومي أو الإنساني.

صحيح ان الإنسان لا يستطيع الإلمام بكل الأشخاص المميزين، ولكن حين ترتبط بإنسان من هذة الفصيلة والكتيبة المتقدمة في الدفاع عن الإنسان والوطن والأمل، لا يجوز ان تمر عنها، او ان تكتفي بتأبينها بكلمات قليلة، لإن الضرورة تحتم تعريف ابناء الشعب في تجمعاته المختلفة بهذا الإنسان أو ذاك، لتعميم المعرفة بشخصة ومكانته، ودوره في ميدان إبداعه وعطائه.

حسين ابو النمل ابن عرب الهيب، الذي ولد في شمال فلسطين عام 1943، واحد من هؤلاء المبدعين، الذي أفنى حياته دفاعا عن القضية الوطنية، وعن حركة التحرر الوطني العربية، وساهم منذ نعومة اظفاره في النضال الوطني من خلال إنتمائه لحركة القوميين العرب مطلع ستينيات القرن الماضي، ومن ثم إلتحاقة مباشرة في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتبوأ مواقع قيادية هامة فيها، حيث إنتخب في عضوية اللجنة المركزية العامة أوائل التسعينيات والمكتب السياسي مطلع الألفية الثالثة قبل ان يغادرها في العقد الأخير.

لكن الأهم من عضوية الهيئات المركزية للجبهة إسهاماته الإبداعية في حقل الإقتصاد. لا سيما وانه حصل على البكالوريوس من كلية الإقتصاد من جامعة القاهرة مع مطلع السبعينيات، ثم حاز على درجة الدكتوراة من المانيا الشرقية قبل إنضمامها لإلمانيا الغربية، وكان أحد اعمدة مركز الأبحاث في حقل الإقتصاد، وانتج سلسلة كتب ودراسات بحثية عميقة في مجال إبداعه، منها: بحوث في الإقتصاد الإسرائيلي؛ قطاع غزة 1948/ 1967:

تطورات إقتصادية وسياسية وإجتماعية؛ الضفة الغربية وقطاع غزة: تطورات إقتصادية وسكانية وإجتماعية؛ الصناعة الإسرائيلية؛ الإقتصاد الإسرائيلي : من الإستيطان الزراعي إلى إقتصاد المعرفة... إلخ من الأبحاث المختلفة، وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات المتخصصة. كما ان ابو النمل كان عضوا في اتحاد الكتاب والصحفيين قبل إنفصاله، وبقي عضوا في اتحاد الأدباء والكتاب.

كما تولى مهمة مدير تحرير مجلة "الهدف" الصحيفة المركزية والناطقة باسم الجبهة الشعبية. وهذا وساهم اثناء وجوده في مصر الشقيقة في العمل النقابي، حيث إحتل موقعا في الهيئة التنفيذية للإتحاد العام لطلبة فلسطين مع انعقاد المؤتمر الخامس للإتحاد العام عام 1969، وكان قبل ذلك عضوا في الهيئة الإدارية لفرع القاهرة في شباط / فبراير 1967.

والمناضل الراحل كان نسيج ذاته، لا يقبل القسمة على الإنحراف، والفساد، والشللية، والحسابات الشخصية الصغيرة. وكان محبا للجميع، ومتواضعا، ومستمعا جيدا، ولكن في حال إكتشف ان احدا من معارفه متلاعبا، او رخيصا، او ساقطا، لم يتورع عن إدارة الظهر له، ومحاربته، وكشف مثالبه، ونواقصه في الأطر الجامعة لهما.

لا يعرف المهادنة تجاة قضية فلسطين، والمسألة القومية أو المسألة الديمقراطية، وكان مستعدا للدفاع عن فكرته وحيدا دون اي تكتل أو تيار داعم، حتى لو دفع موقعه القيادي ثمنا لذلك.

ونتيجة تصالحه مع ذاته ترك صفوف الشعبية، دون ان يبصق في البئر، التي شرب منها، وترعرع فيها. وبقي وفيا لتجربته، رغم حزنه وإنقباضه على الكثير من العيوب والنواقص الملازمة للتجربة.

بعد النكبة مباشرة لجأت عائلته البدوية الفلسطينية إلى جنوب لبنان، وستقر مع زوجته المناضلة درية، ابنة مصر الشقيقة في بيروت محلة المزرعة بعد عودته من مصر في سبعينيات القرن الماضي، وبقي حتى رحل يوم الجمعة الفائت الموافق 22/5/2020 عن عمر يناهز ال77 عاما، قضى جلها في الدفاع عن فلسطين، قضية العرب المركزية.

حسين ابو النمل قامة وطنية وقومية، كان علما من اعلام فلسطين في حقل السياسة والإقتصاد والفكر السياسي، وصاحب رؤية وطنية، وكان مؤمنا بالحل السياسي، رغم رفضه لإتفاقيات اوسلو، وتحفظاته العديدة على مسار العملية السياسية، كما كان يخشى من النهاية المأساوية للقضية نتاج إدراكه ومعرفته بالعقل السياسي الصهيوني.

تميز الراحل الوطني حسين بالنبل والجدارة بالحياة، وبالدفاع عن الأمل، وبقي حتى رحيله قبل ايام حالما بالعودة لفلسطين، ترجل الفارس عن المسرح، لكن حلم حسين سيبقى ملازما لكل الإجيال الفلسطينية الحالية واللاحقة. رحل حسين، لكنه ترك رصيدا فكريا ومعرفيا هاما، وتجربة نضالية متميزة حفرت إسمه في سجل الخالدين من الفلسطينيين والعرب.