م 12:14 29 يوليو 2020

أخبث أسئلة السلام: المناصب للمفاوضين دوما… لماذا؟..بقلم:بسام بدارين

 

كنا خمسة اشخاص في حديث سياسي مؤلم على مائدة أحدهم. برلماني مخضرم، رئيس وزراء سابق، مستشار في موقع متقدم وسابق أيضا، ووزير شاب طاح حظه فجأة، ومحدثكم.
طرح أحد الخبراء سؤالا غريبا بالنسبة لي: هل بقي عضو في الوفد المفاوض على ضفتي نهر الأردن ولم يحصل في الضفة الغربية وفي الأردن على وظيفة عليا؟.
الجواب كان صادما أو ينطوي على مفارقة تثير الفضول فبعد أوسلو ووادي عربة تبين للحضور بأن من فاتهم من المفاوضين في الطرفين قطار المناصب العليا هم الموتى فقط، وأن من زهد في تلك المناصب عدد قليل جدا وعلى جانبي النهر العظيم.
طبعا تحتاج ملاحظة خبيثة من هذا النوع إلى تدقيق مفصلي وقد يقول قائل إن من شاركوا في تأسيس تحول استثنائي في أوسلو أو وادي عربة من الأردنيين أو الفلسطينيين من الطبيعي جدا أن يستعان بهم لأغراض تثبيت التحول في الصراع العربي الإسرائيلي.
لكن على الطرف الآخر وعند دولة الاحتلال أو كيانها بقيت المناصب العليا في حضن اليمين المتطرف والمفاوضين المعتدلين من الجانب الإسرائيلي مات بعضهم أو قتل أو عزل تماما عن الحياة والاشتباك وعدد من نفذ من دهاقنة المفاوضات الإسرائيلية وبقي في مواقع عليا عند الاحتلال قليل جدا لا بل نادر حسب الخبراء.
تلك مفارقة تستحق التعمق والتأمل أيضا فقد قفزت مفاوضات الصراع بشريحة محددة في الأردن وفلسطين ولعقود إلى الأمام ونادرا ما انحرفت المناصب الأساسية والوزارية عن المفاوضين الأفذاذ دوما إلا في نطاق من رحم ربي وغادر الحياة أو رفض الانضمام للحفلة.
أما من لم يفاوض من الإسرائيليين فخرج من المعادلة على الأغلب ومالت إسرائيل طول الوقت في المجتمع والهيكل القيادي إلى إقصاء وتنحية من نعتبرهم نحن العرب معتدلين ويريدون السلام، فيما جلس الإسرائيليون قادة وشعبا ودولة عميقة في حضن اليمين المتطرف بعد أوسلو ووادي عربة وهم ينقلبون بالقطعة والتقسيط على كل ما التزم به كيانهم مع معسكر الاعتدال العربي.

لا أحد يريد تفكيك مسألة من هذا النوع في الاشتباك. ولا أحد في معسكر الاعتدال والسلام الذي أصبح عربيا بامتياز وتخلى عنه الإسرائيلي، يريد ملاحظة الفارق بين ديمقراطية الاحتلال المزعومة التي سمحت لأعداء السلام الليكوديين بالتسلل والسيطرة حتى على مؤسسات العمق الإسرائيلي العلمانية مثل الجيش والأمن فيما لا يوجد في معسكر الاعتدال والتطبيع العربي أصلا ديمقراطية من أي نوع باستثناء الجزء الديمقراطي الشكلي في الأردن تسمح لأي معترض على السلام أو غير مؤمن به أو يتحفظ عليه بالتسرب إلى المناصب ومواقع القرار.
يعني ذلك الكثير إذا أطلقنا المخيلة للسؤال بدون تشكيك.
لكن الأهم هنا أن الرؤية تضيق أيضا إذا ما قرر أي رأي فقط الاعتماد على التشكيك والاتهام ونحن لا نقول بذلك لا سمح الله فالمفاوضون في الجانب العربي لديهم وجهة نظر وتوجيهات وتعليمات.
والمفاوضون العرب بصرف النظر عن هويتهم الشخصية مواطنون صالحون على الأرجح، بعضهم ركب موجة المفاوضات بحماس مفرط وبعضهم الآخر مؤمن بما قام به. وبعضهم الثالث تصور فعلا بأن الصراع سيقفل ملفه وبأن الوطنية هي التي قادتهم ليس فقط إلى التفاوض فتلك مرحلة بتعليمات وأوامر لكن للحفاظ على دولهم ومجتمعاتهم بعدما أوصلتهم سلحفاة المفاوضات الى مناصب أساسية وعليا في بلادهم.
أي تحليل في هذا السياق لا علاقة له بتلك الدول العربية التي تحاول أن تفتدي مصالحها بالتبرع بفلسطين أو تعتمد على الهرولة نحو العدو والتطبيع الحماسي معه بدون تخطيط ووعي فتلك خصوصا عندما يتعلق الأمر ببعض الأشقاء في دول الخليج أقرب الى «سهرة وناسة» منها إلى أداء سياسي عميق وحقيقي. ويعلم الجميع بأن سهرة وناسة ليست أكثر من تسلية يغني فيها المشارك ويرقص ويعزف لا على التعيين.
تلك الوناسة نستثنيها من التساؤلات والتركيز ينبغي أن يتموقع في فهم ما جرى مع المفاوضين العرب في مصر والأردن والسلطة الفلسطينية خصوصا بعدما انكشف الغبار اليوم وثبت لرموز وأنصار السلام أنفسهم بأن العدو بقي عدوا وانقلب على شركاء العرب.
وبعدما ثبت بأن إسرائيل اليوم هي ليست إسرائيل تلك التي حاول التفاوض معها المرحوم حيدر عبد الشافي أو الفاضل أطال الله في عمره الدكتور عبد السلام المجالي مثلا.
شخصيا أصفق للدكتور ممدوح العبادي وهو يرفض أي مزاودة أردنية على المفاوض الفلسطيني. وأصفق للدكتور مروان المعشر وهو شاهد مفاوض في تلك المرحلة وهو يعلنها بكل وضوح «إسرائيل انقلبت علينا وعلى السلام» هل نصفق أيضا لمفاوضين أردنيين اليوم يعتقدون بأن الخطر زال وبأن مملكتنا ليست مستهدفة وأن الأزمة على قدر شعبنا الفلسطيني فقط؟.
ثمة من يفتي بأن نفعل ذلك لكن أنا شخصيا أمتنع عن التصفيق.

كنا خمسة اشخاص في حديث سياسي مؤلم على مائدة أحدهم. برلماني مخضرم، رئيس وزراء سابق، مستشار في موقع متقدم وسابق أيضا، ووزير شاب طاح حظه فجأة، ومحدثكم.
طرح أحد الخبراء سؤالا غريبا بالنسبة لي: هل بقي عضو في الوفد المفاوض على ضفتي نهر الأردن ولم يحصل في الضفة الغربية وفي الأردن على وظيفة عليا؟.
الجواب كان صادما أو ينطوي على مفارقة تثير الفضول فبعد أوسلو ووادي عربة تبين للحضور بأن من فاتهم من المفاوضين في الطرفين قطار المناصب العليا هم الموتى فقط، وأن من زهد في تلك المناصب عدد قليل جدا وعلى جانبي النهر العظيم.
طبعا تحتاج ملاحظة خبيثة من هذا النوع إلى تدقيق مفصلي وقد يقول قائل إن من شاركوا في تأسيس تحول استثنائي في أوسلو أو وادي عربة من الأردنيين أو الفلسطينيين من الطبيعي جدا أن يستعان بهم لأغراض تثبيت التحول في الصراع العربي الإسرائيلي.
لكن على الطرف الآخر وعند دولة الاحتلال أو كيانها بقيت المناصب العليا في حضن اليمين المتطرف والمفاوضين المعتدلين من الجانب الإسرائيلي مات بعضهم أو قتل أو عزل تماما عن الحياة والاشتباك وعدد من نفذ من دهاقنة المفاوضات الإسرائيلية وبقي في مواقع عليا عند الاحتلال قليل جدا لا بل نادر حسب الخبراء.
تلك مفارقة تستحق التعمق والتأمل أيضا فقد قفزت مفاوضات الصراع بشريحة محددة في الأردن وفلسطين ولعقود إلى الأمام ونادرا ما انحرفت المناصب الأساسية والوزارية عن المفاوضين الأفذاذ دوما إلا في نطاق من رحم ربي وغادر الحياة أو رفض الانضمام للحفلة.
أما من لم يفاوض من الإسرائيليين فخرج من المعادلة على الأغلب ومالت إسرائيل طول الوقت في المجتمع والهيكل القيادي إلى إقصاء وتنحية من نعتبرهم نحن العرب معتدلين ويريدون السلام، فيما جلس الإسرائيليون قادة وشعبا ودولة عميقة في حضن اليمين المتطرف بعد أوسلو ووادي عربة وهم ينقلبون بالقطعة والتقسيط على كل ما التزم به كيانهم مع معسكر الاعتدال العربي.

لا أحد يريد تفكيك مسألة من هذا النوع في الاشتباك. ولا أحد في معسكر الاعتدال والسلام الذي أصبح عربيا بامتياز وتخلى عنه الإسرائيلي، يريد ملاحظة الفارق بين ديمقراطية الاحتلال المزعومة التي سمحت لأعداء السلام الليكوديين بالتسلل والسيطرة حتى على مؤسسات العمق الإسرائيلي العلمانية مثل الجيش والأمن فيما لا يوجد في معسكر الاعتدال والتطبيع العربي أصلا ديمقراطية من أي نوع باستثناء الجزء الديمقراطي الشكلي في الأردن تسمح لأي معترض على السلام أو غير مؤمن به أو يتحفظ عليه بالتسرب إلى المناصب ومواقع القرار.
يعني ذلك الكثير إذا أطلقنا المخيلة للسؤال بدون تشكيك.
لكن الأهم هنا أن الرؤية تضيق أيضا إذا ما قرر أي رأي فقط الاعتماد على التشكيك والاتهام ونحن لا نقول بذلك لا سمح الله فالمفاوضون في الجانب العربي لديهم وجهة نظر وتوجيهات وتعليمات.
والمفاوضون العرب بصرف النظر عن هويتهم الشخصية مواطنون صالحون على الأرجح، بعضهم ركب موجة المفاوضات بحماس مفرط وبعضهم الآخر مؤمن بما قام به. وبعضهم الثالث تصور فعلا بأن الصراع سيقفل ملفه وبأن الوطنية هي التي قادتهم ليس فقط إلى التفاوض فتلك مرحلة بتعليمات وأوامر لكن للحفاظ على دولهم ومجتمعاتهم بعدما أوصلتهم سلحفاة المفاوضات الى مناصب أساسية وعليا في بلادهم.
أي تحليل في هذا السياق لا علاقة له بتلك الدول العربية التي تحاول أن تفتدي مصالحها بالتبرع بفلسطين أو تعتمد على الهرولة نحو العدو والتطبيع الحماسي معه بدون تخطيط ووعي فتلك خصوصا عندما يتعلق الأمر ببعض الأشقاء في دول الخليج أقرب الى «سهرة وناسة» منها إلى أداء سياسي عميق وحقيقي. ويعلم الجميع بأن سهرة وناسة ليست أكثر من تسلية يغني فيها المشارك ويرقص ويعزف لا على التعيين.
تلك الوناسة نستثنيها من التساؤلات والتركيز ينبغي أن يتموقع في فهم ما جرى مع المفاوضين العرب في مصر والأردن والسلطة الفلسطينية خصوصا بعدما انكشف الغبار اليوم وثبت لرموز وأنصار السلام أنفسهم بأن العدو بقي عدوا وانقلب على شركاء العرب.
وبعدما ثبت بأن إسرائيل اليوم هي ليست إسرائيل تلك التي حاول التفاوض معها المرحوم حيدر عبد الشافي أو الفاضل أطال الله في عمره الدكتور عبد السلام المجالي مثلا.
شخصيا أصفق للدكتور ممدوح العبادي وهو يرفض أي مزاودة أردنية على المفاوض الفلسطيني. وأصفق للدكتور مروان المعشر وهو شاهد مفاوض في تلك المرحلة وهو يعلنها بكل وضوح «إسرائيل انقلبت علينا وعلى السلام» هل نصفق أيضا لمفاوضين أردنيين اليوم يعتقدون بأن الخطر زال وبأن مملكتنا ليست مستهدفة وأن الأزمة على قدر شعبنا الفلسطيني فقط؟.
ثمة من يفتي بأن نفعل ذلك لكن أنا شخصيا أمتنع عن التصفيق.