حتى يصبح لعودة العلاقات معنى .. «إلى روح د. صائب عريقات»
حتى يصبح لعودة العلاقات معنى .. «إلى روح د. صائب عريقات»

حتى يصبح لعودة العلاقات معنى .. «إلى روح د. صائب عريقات»

بقلم: تحسين يقين

فقط إذا صفَت النوايا.. وكلنا بحاجة لذلك..
سيناريوهان: الأول العودة الى حالة إدارة الصراع لا حله، كما شهدنا على ذلك من تنفيذ سياسة الأمر الواقع (السلامية)، والثاني، ما دام أنه لم تكد تصريحات عودة العلاقات تظهر، حتى بدئ إسرائيلياً، بالحديث عن عودة المفاوضات، فإنه يعني أن يتم ذلك ضمن توجه محكم نحو الخلاص الوطني الفلسطيني، وحل الصراع بالنسبة للطرفين، لا ليكون فقط خلاصا لنخب هنا وهناك، أو مجرد عودة للمربع الأول الذي مللناه، لأن خض الماء حتى لو طال لن ينتج زبدة، وفقط «خض لبن يطلع زبدة».
- طيب!
- يا عمي، يا عمتي، ربما قدومنا من عالم الأدب يجعلنا منحازين لمنظور مختلف نوعاً ما؛ فالأدب من الحياة.
- والسياسة منها!
- ........
سيتعبني صاحبي، كأنه يريد مزيداً من الكلام، ونحن محتاجون للتفكير، ليست القضية كلام وعالماشي، مدحا أو هجاء، كما كان شعرنا وإعلامنا، «ومن النادر أن يستخدم الناس الحرية التي يمتلكونها فعلا كحرية التفكير مثلا، ومن ثم فهم يطلبون بدلاً من ذلك حرية الكلام كتعويض عنها» كما قالت سارة برنار التي عثرت على كلامها وأنا أفكر ما يمكن فعلاً أن نضيف به، إزاء قضيتنا الأكثر نبلاً.
خلال الفترة السابقة، من قبل صفقة ترامب وما بعدها، قلت لنكن معا أولاً قبل كل شيء، حتى لو اختلفنا. والآن أيضا يجب فعلاً أن نكون معاً، هل من خيار آخر بالله؟  
سيكون لعودة العلاقات أهمية في المستقبل القريب والمتوسط، ليس من باب موافقة إسرائيل على الاتفاقيات، التي أصلا لم تكن ملتزمة بها من أول يوم، بل بما يمكن أن نتموضع به عربياً ودولياً، بعد فوز بايدن.
المشهد الآني المباشر، موظف/ة يضع في جيبه ثلاث رواتب، يضع منها شيئا في جيوب التجار، ويسدد ديونه كلها أو بعضها، فتنتعش الأسواق، خاصة ونحن على أبواب الشتاء، ماشي، وبعدين، ما الخطوات القادمة؟
من الاستراتيجي ألا تخف جهود المصالحة، بسبب عودة العلاقات والتنسيق، لسنا بحاجة لا لنزق أو انفعال الفصائل، بل الى الحكمة والعقلانية، فالآن الآن، نعم كبرى لإنهاء الخصام فعلياً والى الأبد، وع طول ع الانتخابات التشريعية والرئاسية لتجديد الدماء لا لتجديد الشرعيات، فلم يخرج فلسطيني حتى الآن عن المشروع الوطني. ومن الاستراتيجي أيضا تقوية عوامل البقاء، من خلال إدارة وحكم أكثر كفاءة، والطرق واضحة لمن يريد أن ينجز، فلسنا إزاء عمل نووي، بل إنه ضمن الممكن إذا أردنا، ولا ضرورة لكلام كثير..كما قالت البدوية بذكائها الفطري يوما: كلام كثير ما أحب!
وبالمرة، على نظامنا السياسي القادم أن يستوعب الكل، ما دمنا نسير ببوصلة وطنية، أما الخلافات، فمن السهل حلها، بدافع المصلحة الوطنية العليا، حتى نكون معا فعلا، ونقطع الطريق على كل من يود الاصطياد في الماء العكر. سهل والله..برضو ان صفت النوايا.
بالنسبة لقضايانا، فإن تم الاتفاق على حل الدولتين فعلا، فلعل إسرائيل، في ظل الهامش الجديد من علاقاتها العربية، تغير من طبيعتها الكولونيالية فعلا: هل يمكن حلّ سياسي بدون القدس؟ واللاجئون يا عالم، هل سيكون الحل بمزيد من عقابهم وحرمانهم حق العودة؟ والسيادة هل ستظل على السكان لا على الأرض؟ هل سيتوقف بناء المستوطنات؟ وهل سيكون تبادل الأراضي عادلاً؟ والماء..هل سيظل يسرق ويباع لنا؟
ليس أي مفاوض، لن يقبل فقط، بل أي إنسان في هذا العالم يمتلك الحد الأدنى من الموضوعية.
أما إذا كان هناك تفكير بحلول أخرى، تضمن كرامة البشر جميعاً، ضمن دولة واحدة، فإنه سيكون من السهل عمل اختراق سهل لقضايا الحل النهائي. وطبعا، لا أظن لا إسرائيل كدولة، ولا كشعب موافقين على هذه الصيغة، لسبب بسيط هو إيثار الاستحواذ والسلب.
إذن، يمكن البدء بالحديث الجديّ مع الأميركان، بملء الفراغ في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كي يكون النص، والقدس الشرقية عاصمة للشعب الفلسطيني، لا أبو ديس ولا ضواحي القدس.
لقد كانت زيارة وزير الخارجية الأميركي مستوطنة «بساغوت»، وذكره بأن «الولايات المتحدة ستصنف الصادرات من المستوطنات على أنها إسرائيلية» سلوكا مريبا، في آخر عهد الإدارة بقيادة دونالد ترامب. ولا نظن هنا أن مثل هذا السلوك يدعم أي تسوية، فليست الإدارة الأميركية ملزمة بذلك، وهي من كانت تقليديا لها مواقف أخرى.
إسرائيلياً، فإن من حسن النوايا فعلا، أن تكف إسرائيل أذاها عن البشر، كيف لدولة بهذا الشكل أن تسطو على أحلام الأفراد والجماعات وعلى شعب عريق؟ نذكر من الخطوات التي يمكن أن تعيد بناء الثقة:
- عدم التدخل في ملف رواتب الأسرى والشهداء، لأن ذلك يستفز مجموع الشعب. بل والإفراج عن الأسرى المرضى، ويمكن ذلك إن يتم بالتوصية لرئيس دولة إسرائيل، كمحرج قانوني.
- وقف قصف غزة.
- تسهيل بناء بيوت المقدسيين، ووقف الهدم.
- إعادة النظر الخطاب الإعلامي والتربوي التحريضي في إسرائيل.
لنا وللجيل الجديد أن نقرأ ما كان فعلاً، فمهما كان من أحداث آخر عام، أعوام، منذ القديم فالأقدم، فيمكن السرد عنها بقليل الكلام، لكن بالوقوف على أرض صلبة لفهم تفصيلي لما كان ويكون، وما نستشرف من مستقبل، غير مذعنين للأمر الواقع الاحتلالي.
أعود للأدب والنقد قليلاً، ثم نواصل:
ولعلي هنا أقتبس فقرة طالما أكتب من منظورها، وهي لرينيه ويليك واستن، من كتابه نظرية الأدب: «تاريخ الأدب شديد الأهمية للنقد الأدبي حالما يخرج هذا النقد عن إطار الميل والنفور؛ فالناقد الذي يقنع بجهله في حقل العلاقات التاريخية، سرعان ما يضل في أحكامه الأدبية، فليس باستطاعته أن يعرف أي الأعمال أصيل وأيها منقول، ولا بدّ أنه من خلال جهله بالشروط التاريخية، سيخطئ على الدوام في فهم عمل فني معين».
- أدب ونقد؟
- نعم وكلاهما عمق الحياة والسياسة هي من تحدث التحولات.
الله يرحم الدكتور صائب عريقات، نعم، يجب أن نعرف نحن أكثر، الجيل الجديد، وكل من يستلم الراية، فمعرفتنا بتاريخنا وجغرافيتنا وبالقوانين ستساعدنا، وستكسر «التوازن العسكري وميزان القوة الزجاجي الهش».
بعد مؤتمر مدريد بقليل، لو عدنا للوراء قليلاً، 29 عاماً، طالبت إسرائيل بتغيير المرحوم د. صائب عريقات، لأنه من منظورهم، تحدث بما لا يرضيهم، وظلت إسرائيل غير مرتاحة بوجوده، ولكنها في عمقها تعرف أنه ينطق بالحق، وقد رحل وهو متمسك بذلك، فهل تنتظر إسرائيل من يهبط من سقف حقوقنا؟  
إن معرفتنا، ستجعلنا أكثر قدرة في لم القرار العربي، وتوظيف ما جدّ من علاقات، باتجاه الضغط على إسرائيل المعتدية، لدفع استحقاقات السلام الموضوعية والعادلة، لا للضغط علينا، قائلين للأشقاء والأصدقاء بل وللأعداء:
- حطوا حالكم محلنا!
النقد الأدبي والنقد السياسي مرتبطان بالخطاب والتاريخ، ولسنا في مجال الخطأ أبداً، ومن المهم أن نكون أقوياء بأنفسنا أمام أنفسنا وأشقائنا، ثم أمام أميركا وأوروبا، والعالم.
ليس من المعقول قبول ما وضعته إسرائيل من عُقَد في منشار مفاوضات الحل النهائي، وليس علينا نحن أن نبحث لإسرائيل عن حلول على حسابنا.
لقد اعتمدت بخبث استعماري على سياسة الأمر الواقع..حسنا نحن أمر واقع..نحن شعب عريق..من أمة كبيرة.. ذات تاريخ.. الأمة العربية أمر واقع..لن يسهل التطبيع ولن يكون متقبلاً.. بل هو محرج جاء بسبب فواعل الضغط.
تعالوا نفتح صفحة جديدة، لتصبح عودة العلاقات الفلسطينية-الإسرائيلية ذات معنى!
أما أن نعيد الأسطوانة، فإنها ليست أغنية نحبها.
كلنا بحاجة لنوايا صافية: أنا وأنت وأنتم وأنتن، داخل الفصيل الواحد والفصائل، وداخل عمق الصراع الصعب، ودخل نفس كل من يود التوسط لحله، من عرب وعجم وأميركان..
وإسرائيل أولا بحاجة فعلا لتحل إشكالياتها من فهمها لوجودها ودورها، ومستقبلها، لا أن تصرّ فقط على سماع من يتفق معها.

المصدر:صحيفة الأيام