عبد الغني سلامة
عبد الغني سلامة

أسوأ سنة في التاريخ

وهكذا مضت سنة 2020 إلى مقبرة السنين، كانت صعبة بكل المقاييس، وقد شهدت العديد من الأحداث المؤسفة والكوارث الطبيعية، والأهم جائحة «كورونا»، التي قتلت حتى الآن نحو 1.7 مليون إنسان. لكنها رغم قسوتها ليست السنة الأصعب ولا الأسوأ من عمر البشرية.
هل نقول هذا لنواسي أنفسنا، أم لقراءة التاريخ، وأخذ العبر؟
في تاريخ الصراعات شهدت أغلب مناطق العالم حروباً مدمرة راح ضحيتها الملايين، بحيث صارت كل منطقة تؤرخ للأعوام التي اندلعت فيها الحرب كأسوأ عام، وإليكم بعض الأمثلة:
ربما كان العام 70 ميلادي، الأسوأ في تاريخ روما، حين أحرقها «نيرون» ثم جلس على برجٍ يتسلى بمنظر الحريق.. أو كانت سنة 1215 الأصعب في تاريخ بكين، حين حاصرها جنكيز خان، ثم استباحها، وقتل أغلب سكانها، حتى امتزجت لحوم القتلى بأرصفة الشوارع، وظلت آثارها لأشهر عديدة. وربما كانت سنة 1258 الأسوأ في تاريخ بغداد، حين اجتاحتها جيوش هولاكو، فقتلت ما يربو على المليون إنسان، أو سنوات الاحتلال الأميركي (2003 - 2009)، والتي قتل وشرد فيها ملايين العراقيين، وترك من تبقى في جحيم الطائفية.
أو سنة 1939 الأسوأ على نانجين؛ حين جمعت القوات اليابانية سكانها في ساحة كبيرة، وفتحت النيران عليهم طيلة النهار، حتى قتلت 200 ألف إنسان. أو سنة 1945 على هيروشيما، حين ألقت أميركا قنبلة ذرية فوق رؤوس العباد، فصارت المدينة قطعة من جهنم، وقتل على الفور سبعون ألف إنسان.
أو سنوات الحرب العالمية الأولى والتي قُتل فيها 16 مليون إنسان، أو سنوات الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها 60 مليون شخص، أي 3% من سكان العالم.
وربما كانت سنوات الحرب الأهلية هي الأسوأ في تاريخ لبنان (1976 - 1990)، حين انفرطت الدولة، وفُقد الأمن، وصار القتل على الهوية. أو سنة المذبحة الكبرى في راوندا (1994) حين قُتل مليون إنسان في مائة يوم.
بالنسبة للفلسطينيين، لدينا سنوات النكبة، والنكسة، والخروج من بيروت، والانشقاق، والانقسام، وسنوات المذابح، واجتياحات الضفة، والحروب على غزة. وأخيراً سنة التطبيع، فاختر أيها الأسوأ.
في مجال الكوارث الطبيعية لم تخل منطقة من كارثة ما، حتى اعتبر سكانها العام الذي حلت فيه الكارثة العام الأسوأ:
في العام 1556 ضرب زلزال مدينة شنشي في الصين، فقتل 830،000 شخص.
في العام 1887 أدى فيضان النهر الأصفر في الصين إلى مقتل نحو ثلاثة ملايين إنسان.
وفي العام 1970 ضرب إعصار مدمر بنغلاديش وباكستان فقتل أكثر من نصف مليون إنسان.
في مجال الأوبئة والمجاعات، لكل شعب عام، أو أعوام يعتبرها الأسوأ:
كان العام 536 ميلادي، بداية كارثة عالمية، ستمتد آثارها قرناً كاملاً، وتعتبر أحد أسوأ الفترات التي مر بها العالم، فقد غمر الضباب عموم أوروبا، والشرق الأوسط، ومعظم آسيا، وعلى مدى سنة ونصف السنة ظلت السماء مظلمة ليلاً ونهاراً، وانخفضت درجة الحرارة، ليبدأ أبرد عقد منذ ثلاثة وعشرين قرناً، وسقطت الثلوج في مناطق غير متوقعة، وتضررت المحاصيل الزراعية، وهلكت الطيور والماشية، ومات الناس جوعاً، وبعد خمس سنوات أي في العام 541 انتشر الطاعون الدملي، بسرعة كبيرة، وقضى على قرابة نصف سكان الإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي سارع في انهيارها. ولم تتحسن الأوضاع، ولم يبدأ الاقتصاد بالتعافي حتى العام 640.
وفي العام 1347 عمَّ الطاعون حوض المتوسط فقضى على نحو 200 مليون إنسان. وقبلها بعقدين كانت المجاعة قد ضربت عموم أوروبا بين عامي 1315 و1317 فتسببت في وفاة الملايين، وخلال هذه الفترة انتشرت الجرائم والأمراض والوفيات الجماعية، حتى وصل الأمر إلى أكل لحم البشر، وقتل الأطفال الرضع.
في القرن الخامس قبل الميلاد ضربت الهند مجاعات متتالية دامت قرناً، قتل خلالها نحو أربعين مليون إنسان، وفي القرن الثامن عشر مات في مجاعات الهند أيضاً نحو 10 ملايين إنسان.
في العام 1057 مجاعة في العراق وبلاد فارس تقتل نحو مليون ونصف المليون إنسان، وفي سنة 1068 مجاعة أخرى في مصر عُرفت بالشدة المستنصرية مات فيها مئات الآلاف، وفي المغرب سلسلة مجاعات متتالية تودي بحياة مئات الألوف من السكان، تبدأ سنة 1721، وتنتهي سنة 1944.
وخلال القرن التاسع عشر اجتاحت الصين مجاعات متتالية مات فيها نحو مائة مليون شخص، وفي المجاعتين الأخيرتين (1958 و1968) مات عشرات الملايين.
في العام 1845، أدت المجاعة التي ضربت إيرلندا إلى وفاة ما يزيد على مليون إنسان.
وفي سنة 1877 مجاعة في البرازيل قتلت نصف سكانها.
وفي سنة 1921 مجاعة «الفولجا» في روسيا، تودي بحياة خمسة ملايين إنسان، وتكررت المجاعة في أوكرانيا في الثلاثينيات وتسببت بموت ثلاثة ملايين إنسان.
وفي العام 1918 ظهرت الإنفلونزا الإسبانية، فأودت بحياة 100 مليون شخص، أي ما يقارب 5% من سكان العالم.
ما سبق مجرد أمثلة، والتاريخ مليء بغيرها. ونلاحظ أن الصين صاحبة النصيب الأكبر من المحن والحروب والكوارث والأوبئة والمجاعات. لكنها اليوم، ولحسن الحظ، الدولة الأقوى، والأكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً. وكذلك تفعل كل الشعوب الحية؛ تتجاوز محنتها، وتنهض من جديد.
العام 2020 كان صعباً حقاً، فقد عطّل «كورونا» إيقاع الحياة الطبيعي، لكن العام الجديد قد يحمل بذور الأمل، ويبدأ العالم بالتعافي، كما تعافى كل مرة، وبعد كل مأساة.
لا توجد سنة كلها أفراح ومسرات وراحة بال، ولا توجد سنة كلها مآسٍ وويلات ونكبات. لكل عام أفراحه وأتراحه. في كل عام نخسر شيئاً، نودع أحبة أعزاء، نفقد جزءاً من عمرنا. وفي كل عام نستقبل مواليد جدداً، ونحرز نجاحاً ما، أو تتحقق لنا أمنية. ورغم كل ما يصيبنا، تظل الحياة في تقدم دائم، وتظل الأرض تدور حول الشمس، قاطعة سنة جديدة، لا نعرف متى بدأت فعلياً، ولا متى انتهت، لكننا اخترنا يوماً افتراضياً لبدايتها، ويوماً لنهايتها.. لكن الطبيعة من حولنا لها تقويمها الخاص، وللحياة سننها وقوانينها. وما علينا إلا أن نتكيف معها، وأن نتغلب على أحزاننا، وأن نجترح منها أوقاتاً سعيدة كلما أمكن ذلك.
وألا نفقد الأمل، في سماع خبر مفرح.