Ooredoo Palestine Ooredoo Palestine
1.jpg
1.jpg

هل حل دال الدولة محل دال الوطن؟

من يقرأ الأدبيات الفلسطينية قبل العام ١٩٤٨ يلحظ شيوع دوال مثل الوطن والأرض والتراب والبلاد فيها ولا يقرأ دال الدولة نهائيا، واستمر الحال تقريبا حتى العام ١٩٧٤، فما شاع في أدبيات المنفى بين ١٩٤٨و١٩٦٧ هو الدوال السابقة مقترنة بكلمات السليب والعودة والرجوع «الوطن السليب، فلسطين، فلسطين السليبة/ من فلسطين ريشتي، عائد إلى حيفا، عائدون، متى سنعود، عودة الغرباء، راجعون، برجوعنا لبلادنا، بلادي» وفي أدبيات الداخل «تراب، وطن، فلسطين/ عاشق من فلسطين، أرض».
مع العام ١٩٧٤وقبول الفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية على المناطق المحتلة في العام ١٩٦٧ بدأ دال الدولة يتكرر في الخطاب السياسي الفلسطيني تكرارا لافتا حتى كادت فلسطين تغدو الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، فنادرا ما قصد بدال الدولة فلسطين كلها من النهر إلى البحر، فحل الدولة العلمانية الذي اقترحته حركة فتح في العام ١٩٦٨ تراجع لتحل محله الدولة الفلسطينية المستقلة، وربما تكررت دوال الوطن في بعض القصائد والروايات والقصص القصيرة، وهو ما لاحظناه في أدبيات محمود درويش ومحمود شقير وأسعد الأسعد، وربما تجدد النقاش حول دال الوطن مع كتابة محمود درويش في العام ١٩٨٨ قصيدته الشهيرة «عابرون في كلام عابر»، فدوالها «برنا، بحرنا، أرضنا، سماؤنا».
وفي رد الشاعر على استفسارات صحافي إسرائيلي أجاب بطريقة وضحت الفرق بين دال الوطن ودال الدولة، فطالب بدولتين؛ فلسطينية وإسرائيلية، في وطن واحد، وقال إن فلسطين هي بلاده:
«- قل لي: ما هي بلادك؟
- بلادي هي بلادي فلسطين.
- كل فلسطين؟
- نعم كل فلسطين بلادي. هل خدعك أحد وقال إن فلسطين ليست بلادي؟
- لا. إنها بلادي.
- أنت تؤمن بأن بلادك قد تمتد من النيل إلى الفرات وأنا أؤمن بأن فلسطين، وحدها، هي بلادي.
- ونحن، ما هي حدودنا؟
- عليكم أنتم أن تقولوا ما هي حدودكم في بلادنا، لأن جزمة الجندي المحتل لا تصلح لأن تكون حدودا كما يحددها الجنرال ديان، أما نحن فلا نسأل ما هو وطننا لأننا نعرفه تماما، بل نسأل عن دولتنا الممكنة في أرض وطننا.... .»
هل تردد دال الوطن في أدبيات الجيل الفلسطيني الجديد الذي ولد في المنفى وماذا كان يفهم منه؟ ماذا كانت فلسطين تعني له؟
في كتابي «أدب العائدين؛ تساؤلات وقراءات» كنت توقفت أمام روايتي مايا أبو الحيات «لا أحد يعرف زمرة دمه» وسامح خضر «يعدو بساق واحدة» والحق أن دال الوطن تكرر في رواية الثاني، في حين يفهم من رواية الأولى أن وطن الإنسان هو المكان الذي نشأ فيه وانسجم، وحين يطلب الأب من ابنتيه أن تستعدا إلى العودة إلى فلسطين تترددان وتوضحان رأيهما:
«والغريب أن كلمة عودة لا تتفق أبدا مع حالتنا أنا وجمانة، فنحن لم نكن يوما هناك لنعود» و»فأنا لا أعرف عن فلسطين سوى ما يقوله الأستاذ خيري أستاذ التاريخ وهو يحاول أن يعلمنا (بالكندرة) شكل خريطتنا» وعن حياتها في المنفى تكتب «لكنني أحببت الحياة هنا وتأقلمت مع مزاج أبي الذي كان يشبهني في كثير من الأمور، وكل ما أعرفه أنني لن أسمح لهم بتخريب حياتي مرة أخرى، وهذا ما يجب أن يعرفه أبي ويقبله».
سامح خضر فصل في القول أكثر، فبطله قاسم الذي نشأ في مصر وأحبها واعتاد على العيش فيها رأى فيها وطنه، ولم ير فيها منفى، وقاسم الذي ربي على أن وطنه هو فلسطين التاريخية، حين عاد إلى، غزة، وفق اتفاقات أوسلو، شعر بغربة وفكر بالهجرة. لقد أدرك «أن الأوطان هي كل ما نألفه وما نعتاد عليه، .. الوطن هو ما تتشكل فيه ومنه ذواتنا».
مصر لقاسم وطن وفلسطين أيضا له وطن على الرغم من ضيقه بالحياة في الأخيرة ومن انكماش الحلم الكبير «فما أعرفه من الوطن هو غزة ولا يمكن أن تختزل فلسطين الكبيرة فيها لتقرب لي صورة الوطن».
وثمة فارق عموما في تصور الوطن بين جيل وجيل؛ جيل محمود درويش وجيل مايا أبو الحيات وسامح خضر ولا عجب فكل كاتب هو ابن معطيات زمانه وإن كان للوعي السياسي الفردي أثره الكبير في تشكل الصورة.
الكتابة تطول والمساحة محدودة.

 

نقلا عن الأيام