2.jpeg
2.jpeg

مسلسل"كسر عضم" واحد من أنجح مسلسلات رمضان

لنقل كلمة حق، «كسر عضم» واحد من أنجح مسلسلات رمضان، رغم الأخذ والرد. جريء، صادم، صفعته تترك احمراراً على الوجه. لا تخشى أظفاره فقء الجرح وتنظيف اللحم الميت حوله. نضع جانباً الجدل المتعلق بـ«سرقة النص» وبيانات التوضيح والتصويب. درامياً، هذا عمل بنبرة عالية ورأس عنيد. شخصياته محاكاة للتفكك الاجتماعي، نسخة طبق الأصل عن وطن مُستباح، والقوي فيه يأكل لحم الضعيف وعظمه.

هؤلاء أمراء الحرب بأيديهم الملطّخة وأنيابهم المشبّعة بالدم، يركلون ضحاياهم كطابة مُسددة نحو المرمى، ويحصون الجماجم قبل النوم. سلطتهم امتداد لجبروت غذّته السنوات المشتعلة، حين كانت الحياة في فم المدافع. واستبدادهم يتوغّل ليطال المذنبين والأبرياء، مع تفوّق للفبركة واللفلفة ودسّ الرشاوى. رقعة شطرنج، يفرض الكبار وزراءهم على مربعاتها ولا يجد الهواة جندياً يعوّض الهزيمة أمام الخصم.

عندما تكون الكلمة للخراب، لا تعود الأرض مكاناً يصلح للبقاء. للمسلسل قدرة على تعرية الفظاعة وتركها مفضوحة على الملأ. الليل ليس لستر العيوب، بل ليمزّق الصوت غلاف الصمت. وللشخصيات خيار وحيد هو الوقوف في الوسط. مسافاتها الآمنة مُخدرة وحيزها الفردي مسحوق. يختبئ في داخلها احتراق يُفحّم صبر البؤساء وطول بالهم. شواء على امتداد الحلقات والموت من كل صوب، كغزارة المطر.

 

 


لقطة للشباب الباحث عن مستقبل في الأوطان الخائبة

 

المخرجة رشا شربتجي سيدة «الطبخة»، وإن خانتها بعض مكوّناتها. شيء يشبه التيه يتربص في الزوايا، والنجاح الكبير لا يخلو من الهفوة. كأن في النص (كتابة علي الصالح) فسحة خلفية لتلهو الثغر. إخراج مريضة بالإيدز حيّة من القبر بعد زجّها في براد الموتى، سقطة سوريالية. واتجاه بعض الشخصيات من ضفة إلى أخرى من دون ركوب المركب، يترك بلبلة حيال تركيبتها. فالأخت التي تقف بلا مقدمات أمام أخيها من أبيها، ولم يحدث أن تعارفا طوال سنوات، تؤكد نزعة العمل الجدلية ورغبته في خلق نقاش حول الخلطة الرهيبة بين الواقعية وشطحات الخيال.

أهلاً بكم في سوريا ما بعد الحرب حيث التصدّع يبلغ أقصاه والوحشية تُعدِم الإنسانية. تُنتج «كلاكيت» مسلسلاً تعرضه «أبوظبي» و«LBCI» وسواهما، غيومه سوداء وغربانه تحوم فوق رؤوس مُطعميها. حتى الذين يشكلون «بهجة» العمل ولحظاته الأكثر عفوية، الثلاثي «علاء» و«إيليا» و«سومر»، (حسن خليل، ويزن الريشاني ويوشع محمود)، مع سلاسة «شمس» (نادين تحسين بيك) وطيبتها، هم أيضاً في دوائر الخطر. شباب بلا مستقبل، بعضهم انطوائي وبعضهم مستعد لبيع قرنية عينه ليهاجر إلى أوروبا. خيباتهم بالجُملة، تضيق بهم الحياة حدّ حبس النَفَس.

وبحوارات بديعة (حصان المسلسل الرابح)، تُمسّ أوجاع الناس (فقر، جوع، انقطاع الكهرباء، تنازلات أخلاقية في الجامعة، السقوط الحر باتجاه الخطأ...) وتُحكى حكايا المتألمين و«تُعرّى» الأجهزة الأمنية، البطلة الأخرى من أبطال العمل، الممددة بدورها على مشرحة.

 


فايز قزق بشخصية «الحكم»

 

إن كان أكيداً تألق فايز قزق، وكرم الشعراني بشخصيتي «الحكم» ومساعده «هيثم»، واحتلالهما ثلاثة أرباع المشهد، فإنه مستغرب تحرك كاريس بشار الضئيل في المساحة المتبقية. دور «عبلة إسماعيل» مجرّد تقريباً من مبرراته الدرامية، عدا موقفها من اغتيال زوجها. يبالغ المسلسل في مدّها بالسلطة ومنحها التوغّل في فروع الأجهزة الأمنية. تخطط وتنفذ من منزلها وباستعمال هاتفها، ومن ثم يخفت تأثير الشخصية في الأحداث الكبرى. تليق بكاريس بشار غير أدوار.

تتجلى الجرأة بإظهار القبضة الأمنية على مفاصل الحياة وتسربها إلى باطن النفس. ولها ما تقوله عن عمليات التهريب وتجارة الأعضاء والمخدرات. يتألق المسلسل في مسؤوليته حيال هذا الشق، فيأتي الشق الآخر ليضعه في موقف ملتبس. تعاطيه مع مسألة التحرش لم يكن بحجم المُنتظر من عمل يرفع السقف، ولو صحّت تبريرات المخرجة المتعلقة بذكورية المجتمع وإلقائه اللوم على الفتاة. كدخوله في قضايا الفيديوهات الجنسية، وخياره انتحار الضحية بعد رفضها فرص نجاتها، وهو الطريق السهل. تكتمل قطع البازل الاجتماعي بطرح إشكالية جرائم الشرف، وللأمانة يُظهر فظاعتها، كإظهاره، في السياق، انسداد الأفق أمام العاملات في الدعارة، وعدم تشفّع الشهادات الجامعية في تغيير مصائرهن.

يحسم «الحكم» والرجل غير الموثوق به على الإطلاق، «هيثم»، جولات إبداعية كاملة لمصلحتهما، لتشاركهما شخصيات فرادة الأداء. بحجم مفاجأة، هي دفاتر «شمس» المفتوحة والمغلقة. شابة بصندوق أسود في داخلها، يطفو على غرقها. من ماضٍ مظلم وورطة جنسية استطاعت لملمتها، تؤكد استحالة العيش «السوي» بروح مقتولة وطفولة مضرّجة بالدماء. تحتوي نادين تحسين بيك تناقضات الشخصية الخارجة أحياناً على المنطق، وتحافظ عليها من احتمال عدم تصديقها. كاحتواء خالد القيش لشخصية الضابط «مروان الحافظ»، رغم تحميلها أبعاداً «سوبرمانية»، لكنه في دور يؤديه بالتزام ويعامله بجدّية.

شهية المقبرة مفتوحة، واللعاب يسيل من تربة متعطّشة للحم الحي. لم يجف بعد الدم النازف من الجثث المكدّسة، ولم تُضمّد جراح المُصابين بطلقة. البعض على قيد الحياة حتى إشعار آخر، ولا ضمانات على جودة العمر. تمر حوارات صادقة عن الأعمار الضائعة وكذبة الصمود حين يشتد الاختناق. رخص البني آدم واحد في الأوطان المذبوحة.